يعود الشاعر محمود درويش غداً الى فلسطين للمرة الاخيرة ليرتاح على تلة تشرف على مدينة القدس التي طالما كانت ملهمة لاشعاره وعنوان قضية فلسطين فيتلحف ثرى الأرض التي عشقها.
وقد اختارت السلطة الفلسطينية تلة جنوب رام الله تطل على مدينة القدس وتبعد عنها بضعة كيلومترات، الى جانب قصر الثقافة الذي اقام فيه الشاعر الفلسطيني الراحل آخر امسياته الشعرية.
وقررت السلطة الفلسطينية دفن الشاعر درويش في رام الله بعد ان قام وفد من الرئاسة الفلسطينية بالطلب من أسرة الشاعر التي تسكن في الجليل، السماح بدفنه في رام الله بناء على رغبته.
وقال وزير الخارجية والاعلام الفلسطيني رياض المالكي ان وفدا رفيع المستوى توجه الى اسرة الشاعر الفقيد وأعرب عن "رغبة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في دفن الشاعر درويش في مدينة رام الله التي احبها". واضاف ان "الاسرة وافقت على ذلك".
وسيصل جثمان الشاعر درويش الى الارض الفلسطينية ظهر غد على متن مروحية اردنية الى مقر الرئاسة الفلسطينية قبل دفنه في الموقع المخصص لذلك.
وسيشارك رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء في الجنازة في رام الله التي من المتوقع ان تكون الاضخم منذ وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في تشرين الثاني .2004
وقد ابن مثقفون وشعراء عرب الشاعر درويش، حيث تصدرت صوره وكلمات الرثاء الصفحات الاولى للصحف في معظم البلدان العربية والتي تحدثت عن الشاعر الذي كرس حياته للقضية الفلسطينية.
وقد بدأت مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية، استعداداتها لاستقبال جثمان الشاعر الكبير قبل مواراته الثرى على تلة تطل على القدس وتجاور القصر الثقافي الذي ألقى فيه آخر قصائده.

وقال احمد عبد الرحمن مستشار عباس إن "الجثمان سيصل الأربعاء صباحا الى الأردن حيث سيقام حفل وداعي قبل نقله بمروحية أردنية الى رام الله". وقالت مصادر إن السلطة طبعت اكثر من خمسة آلاف علم عليها صورة درويش.
واختير مكان المرقد الأخير للشاعر الراحل ليكون في أحد تلال رام الله ، حيث يطل المكان على القدس المحتلة والساحل الفلسطيني.
وباشرت آليات وزارة الأشغال بتسوية وتجهيز المكان. وعلق أحد العاملين في التجهيزات قائلاً لصحيفة "الخليج" بحزن كبير "والله كأننا نحفر قبرنا بأيدينا".
وأثار قرار دفن درويش في رام الله انتقادات من أصدقائه. وقالت الكاتبة سهام داوود من مدينة حيفا وصديقة درويش "ان "الجسد الآتي من الجليل يحق له أن يدفن في الجليل". وقالت "أعلنوا الاثنين انهم سيدفنونه في رام الله ثم ابلغوا أهله، وهذا لا يعد استئذانا بل تبليغا مؤدبا". وتساءل المحامي جول جمال من مدينة حيفا "لماذا رام الله هل هي العاصمة؟ أليست القدس العاصمة؟
وكانت مدينة هيوستن قد أفاقت على خبر رحيل درويش الذي كان قبل وفاته بأسبوع يلتقي أصدقاءه ومحبيه في منزل ريم العطار وزوجها، وامتلأت اللقاءات حديثاً عن فلسطين وما تمر به، كل ذلك عشية العملية التي أجريت في مستشفى هيرمان لشريانه الأورطي الذي كان قد انتفخ لدرجة لا ينفع معها الانتظار.
وقد أجرى العملية د. حازم صافي العراقي الأصل وأحد أشهر ثلاثة جراحين في المدينة. وحسب مصادر في المركز الطبي في المدينة، فإن العملية تكللت بالنجاح حيث تم تغيير جزء كبير من الشريان الأورطي، إلا أن التداعيات الخطيرة لما بعد الجراحة تسببت في دخوله في غيبوبة لم يصح منها، وذلك حسب المصادر التي رفضت الإفصاح عن هويتها لأسباب تتعلق بمنع التحدث عن حالة المريض إلا لأهله. وأكدت المصادر حدوث جلطات ناتجة عن تكتل كبير للكولسترول على جدار الشريان، لوحظت بعدها كذلك، من خلال أشعة مقطعية، في المخ وتحديداً في مؤخرة الرأس، وترافقت هذه الأعراض مع توقف عمل الكلى ومن ثم موتها، ثم حدوث جلطات أخرى في القولون والأمعاء، الأمر الذي أدى إلى التهاب نتج عنه ارتفاع في درجة الحرارة وتوقف الشرايين عن العمل، وبالتالي الموت الإكلينيكي. قبل أن يصار بالتشاور مع أسرته إلى اتخاذ قرار برفع أجهزة الإعاشة عنه، بناء على وصيته.
ونقل جثمان درويش، ملفوفاً بالعلم الفلسطيني، من المستشفى، محمولاً على أكف فلسطينية وعربية، تمهيداً لنقله إلى فلسطين. وصلى عدد من أفراد الجالية العربية في هيوستن على الجثمان، وتحولت جنازته إلى تظاهرة ردد فيها العشرات من الأمريكيين العرب هتافات الوداع للشاعر الراحل. وحرص الكثيرون على إحضار أطفالهم للمشاركة في الجنازة المؤقتة.
وكان المركز العربي الأميركي في هيوستن قد أقام حفل تأبين لدرويش بحضور د. رفيق الحسيني مبعوثاً من عباس لتولي مهمة نقل الجثمان، وحشد كبير من العرب الذين انتهزوا المناسبة لدعوة الفلسطينيين للوحدة وإنهاء الانقسام. ورد الحسيني، في كلمة، أنه سيحمل هذه الدعوة إلى القيادة، وتحدث عن مناقب الشاعر الراحل. وقال الدكتور العلامة عزت أبو العيش أستاذ التخدير الشهير لصحيفة "الخليج" الاماراتية أن التجمع العربي الاميركي لم يلتق بهذا الشكل منذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر.
وتخللت الحفل قراءة قصائد لمحمود درويش أسالت دموع الحضور، وبخاصة مع كلمات "سجل أنا عربي". كما تلقى الحفل اتصالات هاتفية من أصدقاء لدرويش في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ،1948 وبخاصة المخرج محمد البكري الذي كان يتحدث هاتفياً من بلدة الجديدة حيث تعيش عائلة درويش. ومن أصدقائه العرب في أمريكا، قال د. جورج الحاج لصحيفة "الخليج" الاماراتية إن شيئاً لن يستطيع أن يمحى من الذاكرة كلام الراحل في العشاء الأخير عن الوطن والحاجة للتغيير في المجتمعات العربية.
(صحف- وكالات)