الجمعة 9 يناير 2009
 
الوسط الثقافي الموريتاني يتذكر الشاعر المقاوم

تلقى الوسط الثقافي الموريتاني نبأ رحيل درويش ببالغ الأسى والحزن، وذهب أكثر من كاتب موريتاني يستعيد علاقته بدرويش الذي يتبين من ردود الفعل هذه مدى تعلق شعراء وكتّاب ومثقفي موريتانيا بالشاعر الذي ترك غيابه فراغاً موحشاً في الثقافة العربية.
قال الشاعر ببهاء ولد بديوه: "علاقتي مع الشاعر محمود درويش تمتد إلى أكثر من عشرين سنة عندما قرأت ديوانه "حصار لمدائح البحر". وهو الديوان الذي يمثل في رأيي أوج المسار الفني في حياة هذا الشاعر الفريد الذي جسدته بمجموعاته الشعرية بالإضافة إلى الكثير من الكتابات النثرية التي تعد هي الأخرى، من حيث جماليتها الفنية، جانبا معتبرا من تجربته الشعرية. لقد كنت أعرف درويش قبل هذا الديوان. ولكن معرفتي به بعد قراءة هذا الديوان تحولت إلى علاقة لا تنفصم ما بيني وبين نصه الشعري والنثري، فهو بالنسبة لي الشذا الذي شدني بسحره الغيبي إلى بستان درويش. بكل ما فيه من خصب فني وتنوع متناغم وإنسانية فواحة. لقد كان درويش من أولئك الشعراء القلائل الذين يقتدحون شعرية الأشياء البسيطة، الأشياء المألوفة التي تحتاج إلى لمسة فنية ليلوح ما اختفى تحت غبار ألفتها من بريق شعري، فهو يذكرني دائما ببابلو نيرودا وبول إيلوار، إذ يجمع بينهما هذا التعامل النابض بالحيوية الشعرية مع الأشياء. وأعتقد أن الجاذبية السحرية التي كان يتمتع بها درويش حتى لدى البسطاء من الناس تنبع من هذه الخصوصية. ولا أزال أتذكر تلك الأمسية الشعرية التي ألقى فيها درويش شعره لأول مرة في موريتانيا، وذلك التفاعل الأسطوري الذي امتلأت به القاعة المزدحمة بالناس مع كلمات الشاعر. لقد كان لتلك الليلة أعمق الإحساس في نفس درويش، إذ لم يكن يتوقع أن يكون لكلماته مثل هذا الصدى الفريد لدى جمهور عرف بتعلقه بجماليات الشعر التقليدي. لقد استطاع درويش أن يختط لشعره طريقا عبر ممرات وعرة. فهو شاعر قضية، ولكنه يستخلص من قضيته ومضاتها ونبراتها الإنسانية العميقة من غير أن يجنح به الموج نحو التيار الحماسي والتحريضي الذي كثيرا يذهب بالشعر الملتزم بعيدا عن شواطئ الشعر. كما أنه استخلص من محليته الفلسطينية جوهر إنسانيتها العالمية، كل ذلك في تناغم عبقري هو خلاصة تجربة الحياة التي يقدم محمود درويش نخبها إلى العالم مع آخر نبضة من حياته الممتلئة بالحياة”.
وقال الكاتب الموريتاني حبيب الله أحمد: "اليوم كل مواطن عربي يعزي نفسه.. فالمصاب واحد... وما يمكنني قوله في هذه العجالة إن محمود درويش كان وسيبقى قمة سامقة في الأدب العربي والعالمي، فقد كان شعره أكثر الشعراء الفلسطينيين تناولا من طرف المواطن العربي الذي وجد في شعر درويش مزيجا فريدا من اللغة السهلة الممتنعة والخيال الخصب والرمز العربي الأصيل الذي استنطقه درويش استنطاقا شعريا فريدا واستطاع بواسطة هذا المزيج السحري الفاتن أن يبدع أسلوبا جديدا، ويهيئ أرضية جديدة للشعر العربي والعالمي. ثم إن درويش، وهو شاعر القضية والأرض، كان شاعرا إنسانيا، ويمكن لمس ذلك بكل سهولة في قصائد الشاعر الباحث عن السلام، وليس ذلك السلام الذي هو على حساب الكرامة والأرض والمبادئ. فالكيان الصهيوني استطاع أن يحتل الأرض، ويجرف القرى، ويجرف الزيتون.. لكنه لم يستطع بكل الوسائل والطرق أن يجرف قصائد درويش.. بل إن هذه القصائد جرفت الكيان وحضارته المزيفة وأسطورته المفضوحة... ولقد وجد كل عربي أرضه الفلسطينية الحبيبة قدسا وتراثا وحياة وحبا وقيما في قصائد درويش.. لا نقول إن العرب وحدهم خسروا هذا الشاعر.. العالم كله خسر شاعرا عالميا بامتياز واستحقاق.. لذلك نعزي الأسرة الإنسانية في أحد أبنائها الذين أعطوها روائع أدبية خالدة... إن كان درويش قد رحل فلم ترحل"عصافير بلا أجنحة" و"أوراق الزيتون" وسوف يبقى"عاشق من فلسطين" و"مديح الظل العالي"
وفي كلمته الموجهة للجمهور الموريتاني، قال نادي القصيد الموريتاني "محمود درويش.. شاعر الأرض والثورة والمقاومة والإنسان، شاعر الحب والحرية والجمال، كتب للأمس واليوم والغد فحجز لنفسه مقعدا بين الخالدين، رسم بكلماته خريطة وطنه الكبير فلسطين، فكانت عصية على الجدران والحواجز".
وقد أقام "منتدى القصيد الموريتاني" أمسية تأبينية لمحمود درويش استهلها الشاعر الموريتاني الشاب أبو بكر ولد المامي بقصيدة رثائية لدرويش.
وألقى الشاعر أحمد ولد عبد القادر كلمة وصف فيها غياب محمود درويش بأنه كارثة أصابت المقاومة في الصميم.. وكانت قصيدة "بنت يومها" بكى فيها ولد عبد القادر صديقه محمود درويش، واعتبره نجمة كانت تضيء سدول الليل البهيم الذي تتخبط فيه الأمة، وعزى فيها فلسطين الثورة، فلسطين التي لا تموت.
كما ألقى القائم بأعمال السفارة الفلسطينية في نواكشوط الشاعر منهل شعث كلمة باسم سفارة فلسطين في نواكشوط، تحدث فيها عن درويش الإنسان، والقضية، وسرد فيها جانبا من سيرة حياة الفقيد، قبل أن يقرأ قصيدتين أولاهما لدرويش "سجل أنا عربي"، والأخرى له في تأبين الفقيد.
كما ألقى الشاعر الموريتاني أوليد الناس ولد هنون قصيدة تنضح بالفجيعة، وحبلها الذي التف حول عنق القضية.
وألقى رئيس جمعية النقد الأدبي في موريتانيا كلمة حول درويش الشاعر المقاوم.
أما الشاعر والكاتب الشيخ ولد سيدي عبد الله فقد قرأ شهادة حول لقاء جمعه مع الفقيد في الرباط عام 2004. واختتمت الأمسية بكلمة للشاعر محمدن ولد الشدو عن محمود درويش.

(صحف)

عدد التعليقات: 0 تعليقات الزوار
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: