عادت روح الشاعر إلى بيته !!! متحف الشاعر الياس ابو شبكة في بلدته زوق مكايل (شمال بيروت) صار حقيقة بعد سنين طويلة مضنية من العمل الدؤوب، بذلته بلدية زوق مكايل. هذا البيت الذي كان يسمى في زمانه، "حارة أبو شبكة"، شهد الكثير من اللقاءات الأدبية والشعرية، وزاره كتّاب ومفكّرون ومثقفون، كانوا أصدقاءه ورفاق دربه.
كان احتفال تدشين بيت الشاعر ـ متحف الياس أبو شبكة، مناسبة أدبية رفيعة المستوى. في المدرّج الروماني الفسيح، وبدعوة من بلدية زوق مكايل ومجلس أمناء المتحف والمركز الثقافي البلدي، حضر جمهور غفير ورسميون وأهل ثقافة وأدب... في مقدمهم وزير الثقافة طارق متري ووزير السياحة جو سركيس.
قدّم عريف الإحتفال الشاعر هنري زغيب لرئيس مجلس أمناء المتحف غسان تويني، الذي قرأ مقاطع من كتاب الياس أبو شبكة "روابط الفكر والروح بين الغرب والفرنجة" "... لقرون عدة خلَت بدأ الأوروبي يؤمن بسلطة العقل. تعلّم ذلك من العرب الذين وضعوا العقل فوق السلطة وقالوا بوجوب استخدامه حكماً عالياً في الفصل بين الحق والباطل. لكن خروج الحضارة العربية من أوروبا أبقى الباطل في الجزء الأكبر من أوروبا، حتى في عهد الانبعاث. البورجوازية من جهة والريف من جهة أخرى بقيا متشبثين في مقاومة ثقافة من شأنها قلب القواعد القائمة..." ناقش تويني فكرة الياس أبو شبكة، فاعتبر أن الشرق نقل العقل الى الأجانب في شكل خجول، من خلال الترجمات التي تمّت، إنْ في جبل لبنان أو اللاذقية، مؤكداً أن الاغريق والفلاسفة هم من كانوا أسياد العقل...
وقف الشاعر أدونيس على المنبر يذكّر بدور لبنان الثقافة والأدب، وبعصر النهضة وروادها اللبنانيين وقال في أبي شبكة: "يمثّل شعر الياس أبي شبكة الآن لحظة وعي عموديّ، وهي لحظة عميقة من الغبطة العميقة. فهي تذكّر بأن جيله من الشعراء كانوا في بلدهم الصغير لبنان، رمزاً كبيراً لهذه الأرض الشعرية العربية، ولأرض الحلم العربي. كانوا من أعمق وأعلى ما عرفته طاقاتها الإبداعية في تلك المرحلة. أعطوا هوية لبنان الشعرية لهذه اللغة العالية.
حتى على مستوى الكمّ العددي، كان لبنان الصغير في عدد سكانه، كبيراً في عدد شعرائه، ففيما كنا نستطيع أن نعدّ اثنين أو ثلاثة من الشعراء الكبار في أكبر بلد عربي، كما نستطيع بالمقابل أن نعدّ عشرة شعراء كبار أو أكثر في لبنان.
إقرأوا الآن في هذه اللحظة من تاريخ لبنان، شعر أبي شبكة وشعر رفقائه، سوف ترون أن نحاّت هذه الألماسة اللبنانية، هوّية لبنان، لا نجده في الطائفة، ولا التجارة ولا السياسة، إنما نجده في الإبداع الثقافي، فكراً وفلسفة، أدباً وشعراً، تصويراً ونحتاً، موسيقى وغناءً. هؤلاء المبدعون في هذه الميادين المختلفة، هم الذين حفروا ويحفرون اسم لبنان في جسد اللغة نفسها، أعني في الأبديّ من تاريخ الانسان. هم على تفاوت بينهم، أنبياء الذاتية، لا ذاتية الإنعزال والإنغلاق، بل ذاتية التأمل والانفتاح والاستشراف. هم، في هذا، أسّسوا لهوية لبنان المنفرد المتضامن. هكذا خرجوا به من حدوده في الطائفة والمذهب، فتحوا هذه الحدود على الإنسان، بحيث بدا لبنان في هذا الشعر، كأنه مسكون بالكون كلّه...".
"... هؤلاء الشعراء والياس ابو شبكة في طليعتهم، يعلموننا كيف نرفض التجانس القطيعي الذي يلغي الخصوصية والتفرّد، ويؤسّس لهيمنة العام المشترك المبتذل.
إنهم على تفاوتٍ في ما بينهم، عرافو الذاتية الجذرية العالية. لئن تعثّرت الذاتية في لبنان، بدءاً من النصف الثاني من القرن المنصرم، فقد غابت في المجتمعات العربية، لا في الشعر وحده وإنما في الثقافة العربية كلها، بفعل انتقال مقولات الايديولوجيا والتوتاليتارية الى الدِّين والنظام والمؤسسة.. لا الفرد اليوم هو الذي يفكر أو يكتب، بل الجمع، الذي يتمثل حيناً في السياسة، والقضية والأمة، وحيناً في الدّين والنظام. في هذه الحالات جميعاً، يتحوّل الإنسان الى مجرّد آلة..."
"... لعلّ هذا المتحف الذي يقام اليوم يحتضن فن الياس ابو شبكة ورسالته، ان يكون علامة من علامات الهجس بلبنان الشعر، وتلبية إنسانية فنيّة لذلك النداء العميق الذي يتصاعد من أعماق التاريخ اللبناني، متوجهاً الى أبنائه جميعاً، احتفاءً بلبنان المستقبل".
الشاعرة فينوس خوري ـ غاتا قدّمت شهادة إنسانية ـ أدبية حول علاقتها الرمزية بالشاعر ابي شبكة، زمن دراستها في معهد الآداب العالية في بيروت. ثم أجرت مقارنة حول توأمة العلاقة الإنسانية بين ابي شبكة والشاعر الفرنسي بودلير من حيث الرؤية الجمالية وجحيم المعاناة...
مما قالته ترجمة لكلمتها بالفرنسية: "... أبو شبكة شبيه بخطوات غطىّ آثارها الرمل، ما إن تهب الريح وتذرو الرمال، حتى تعود فتظهر الخطوات ناصعة كما كانت. إنه كتلك الأنهار التي نظنها نضبت، فإذا هي جارية تحت الارض، سرعان ما تنضح حين نحفر في التراب. هكذا الياس ابو شبكة، مثل سعيد عقل وخليل مطران، وميشال طراد وكثيرين يشكّلون خريطة لبنان الثقافية...".
"... اكتشفت الياس ابو شبكة وبودلير في السنة نفسها. تفصل بينهما مسافة 82 سنة (بودلير ولد سنة 1821 والياس ابو شبكة سنة 1903)، كانا شقيقين في الشعر، غطّا ريشتيهما بحبر من السواد نفسه، ولعلهما يقتسمان المجرة نفسها فوق... الجحيم كلمة محورية في شعرهما، ترد عشرات المرات في ديوان "أفاعي الفردوس" كمن يحفر نفقاً كي يصل الى النور في آخر النفق. كذلك يكررها بودلير في "فالس حزين او دوار مؤلم" كما ليُقَطِّعَ ألمه مثلما يقطّع بيت الشعر. بودلير وأبو شبكة، حوّلا البؤس الإنساني الى جمال. إنهما قُربَتان من الندم، وبريئان يظنان أنهما خاطئان...".
"... كان أبو شبكة، بين شعراء جيله، أول من أدخل جسد المرأة في الشعر. كان عاشقاً كبيراً، تقوي "ليلاه" (حبيبته ليلى) مواكب العاشقات الخالدات في التاريخ، وتقف مع ليلى قيس، وبثينة جميل:
كلُّ حيٍّ يموت إلاّ هوانا/ أعلى الأرض من يحب سوانا؟
نحن والناس: نملأ الأرضَ حباً/ وَهُمُ يملأونها نيرانا..."
يذكر الياس أبو شبكة في كتاب "الياس أبو شبكة ـ دراسات وذكريات" الصادر عن دار المكشوف نهاية خمسينات القرن الماضي، يذكر في مقالة له نُشرت أول مرة في مجلة "المعرض" بتاريخ 21 حزيران 1931، كيف كان يعيش في هذا البيت وعن نمط حياته يقول:... "أنهض من الفراش في الساعة الخامسة صباحاً، أتناول قليلاً من الطعام، ثم أشعل النارجيلة وأضع أمامي ركوة قهوة كبير ة وأنصرف الى الكتابة. أما الموضوع فأكون قد فَكّرت به في الليلة الفائتة... عندما أنتهي أفتح النافذة وأضع قدمّي الإثنتين على منضدتي بين الأوراق والمحابر والأقلام، وأسند ظهري الى الحائط وأنطلق في قراءة ما كتبتُ بصوت مرتفع جداً جداً، حتى أن عابري الطريق يقفون تحت النافذة ليتسمّعوا الى صراخي، أو يتسلقون أغراس التوت المنتشرة حول البيت ليروا جيداً من النافذة، ما يحدث في الغرفة...".
(الجريدة)