عبدالرحمن الراشد
حتى بعد أن أبحرت البوارج البريطانية تاركة الخليج، وقبلها سلمت مفاتيح قناة السويس مؤذنة بغياب شمس الامبراطورية، ظلت الـ(بي بي سي) العربية تعزف سلام التاج البريطاني إلى اليوم. كانت أهم وسيلة إعلامية عاشرت الآذان العربية لعقود طويلة.
بعد أن دوت مدافع حرب الكويت، وفرت قوات صدام، ذبلت كذلك نجومية هيئة الإذاعة البريطانية في الساحة العربية، وأضاء نجم التلفزيون الفضائي بداية بالـ(سي إن إن). ولغرابة الأمر لم تبال الهيئة بالعالم العربي، مع أنها تعتبر أغنى مؤسسة إعلامية في العالم، باستثناء فرصة محدودة منحت لمحطة تلفزيونية عربية لم تدم طويلا. وبعد عقد من تلك التجربة رضخت لندن وقررت الآن إعادة (هنا لندن) إلى السماء العربية.
السؤال هل سيكون حظ فضائية الـ(بي بي سي) البريطانية الجديدة أوفر من تجربتها الماضية، ومن حظ فضائيات أخرى ؟
اطلاق محطة كهذه هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، كما كان الحال لمحطاتها الأخرى الإذاعية والتلفزيونية التي تشكل واحدة من أهم الشبكات في العالم وأغلاها ثمنا. القرار سياسي لأن الهيئة مؤسسة حكومية شبه مستقلة، تعيش بدرجة أساسية على أموال المواطن البريطاني الذي يدفع قسرا رسما ماليا سنويا عن كل جهاز يقتنيه في بيته. هذا الاسلوب القديم في التحصيل المالي لإعانة المشاريع الحكومية هو الآخر يواجه تحديات كثيرة من قبل المواطنين البريطانيين الذين يعتبرونه جزية غير مبررة، خاصة مع تكاثر المحطات المستقلة وعدم إعطائهم حق الاختيار.
وإذا كان دافع الجزية التلفزيونية لا تهمه السياسة فإن الحكومة، خاصة في عهد توني بلير رئيس الوزراء الحالي، ترى عكس ذلك تماما. الشرق الأوسط، والعرب خصوصا، بدون إرشاد إعلامي يعتبرون مصدر قلاقل خطيرة في العالم، وفي داخل المملكة المتحدة نفسها التي وجدت ارهابيي الشرق الأوسط يتسكعون في شوارعها. فالدعاية الإعلامية جزء أساسي من الحرب الوقائية، وها هي القاعدة لها برامجها واسطواناتها ومواقعها ووسائل اعلامها، وتبث بلغات بينها الانجليزية، موجهة للمسلمين وغيرهم تشن حربا تحريضية لا هوادة فيها.
والـ(بي بي سي) تميزت دائما بالجودة المهنية والنوعية والموضوعية بعيدا عن الغوغائية أو الدعائية المباشرة. فإنْ سارت على نفس الدرب لا أعتقد أنها ستواجه صعوبة في الحصول على مكانتها الاذاعية القديمة في منطقة تعج بالأحداث. لها إرث وسمعة إعلامية إذاعية لم تخدش ولعبت دورا مهما في مواجهة الدعاية العربية المزورة في زمن النكبات المنصرمة وكانت المرجع السياسي.
الساحة اليوم ليست كما في الماضي، لكنها تتسع للجاد من المحطات الموجهة لمنطقة تحتاج بالفعل إلى مصحات إعلامية كبيرة، لمعالجتها مما علق بها من اضطرابات لم تتوقف قط.
(الشرق الأوسط - 18/10/2005)