الخلاف حول مشروع قانون انتخابات مجالس المحافظات في العراق، الذي من المقرر أن تجرى على أساسه تلك الانتخابات في الأول من أكتوبر المقبل، وان كان قد عطل مسار العمل التشريعي، إلا انه ساهم في تقريب السياسيين فيما بينهم، فاتفاق الكتل النيابية على تقديم تنازلات للسماح بتمرير القانون ، يعني أساساً أن المصلحة العليا هي التي تغلبت.
الاتهامات المتبادلة، حول شرعية التصويت وعدم شرعيته، ودستورية الجلسة وعدم دستوريتها، وتزوير العملية التصويتية ونزاهتها، كشفت مستوى من الصراع وعن أساليب خوضه، أساليب أضرت بالسمعة السياسية للكتل النيابية، لكنها بالمقابل فتحت عهداً جديداً من المصالحة بين الكتل السياسية، التي أثبتت أن المصلحة العليا للوطن هي السبيل الوحيد لحل الخلافات، باعتبار أن العراق بحاجة إلى التلاحم والتوافق، فهو يمر بمرحلة حساسة تستدعي إبعاد المصالح الفئوية لإحباط كل محاولات تبعيته للاحتلال الأميركي.
إننا نعتقد أن الواقع السياسي في العراق لا يمضي إلا من خلال نظرية الربح للجميع، فلا غالب ولا مغلوب في العراق، ولا غالب ولا مغلوب بين أبناء الشعب الواحد.. العراق بلد تعددي فيه مكونات عديدة، وكل مكون من هذه المكونات له رؤية خاصة تجاه المصالح وتقدير الأمور.
بالتالي نحن بحاجة إلى حالة توافقية، فالانتخابات سوف تعطي فرصة لجميع القوى السياسية للمشاركة في العملية السياسية والوصول إلى مشاركة وطنية تعزز النظام الديمقراطي في العراق. لقد أفرزت التجربة السابقة في انتخابات مجالس المحافظات خارطة لنفوذ الأحزاب، وليس لانتشارها وتقبلها لدى الجماهير أو نفورها، ولعبت التحالفات والتكتيكات دورها في الانتخابات المحلية السابقة. ومازلنا بحاجة إلى تثقيف جدي حول أن المشاركة في الانتخابات حق وواجب في ذات الوقت وانه حان الوقت لولادة مشروع ديمقراطي تحترم فيه حقوق الجميع.
أما خيار التنازلات المتفق عليه حالياً بين السياسيين في العراق، والذي اعتمد نهجاً بين القوى السياسية لتخطي المرحلة الحالية الملتبسة، وان كان ضرورياً لتمرير قانون الانتخابات، إلا أنه بحاجة إلى إعادة تقييم ودراسة، فالعراق معرض لانتكاسات سياسية أخرى، إذا لم تتخل بعض التشكيلات السياسية عن نهج اغتنام الفرص لتحقيق مصالحها الخاصة.
والاقتناع بقدر مقبول من الثقة المتبادلة، ثقة بدونها سيظل هاجس التربص والمحاصصة، حاضراً عند أي منعطف سياسي مهم يمر به الوطن، وما أكثر المنعطفات المقبلة في بلد يحبو على طريق الديمقراطية، وينوء تحت وطأة الاحتلال.
صحيفة البيان الإماراتية الاثنين 28/07/2008