في خضم المحاولات الأوروبية الغربية الحثيثة لإزالة التوتر الناشئ بين الولايات المتحدة وروسيا على خلفية الحرب في جورجيا، فاجأت واشنطن حلفاءها بتوقيع مذكرة تفاهم مع بولندا لنشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، بعد الحصول على ضمانات أمنية أميركية كبيرة لحمايتها، خاصة بعد الدرس الذي تعلمته وارسو من الرد الروسي العسكري العنيف على محاولات تبليسي تغيير قواعد اللعبة في أوسيتيا الجنوبية.
وبموجب الاتفاق ستنشر واشنطن عشرة صواريخ معترضة في بولندا، إضافة إلى منشأة رادار في التشيك المجاورة بحلول 2011 إلى 2013، لاستكمال نظام موجود حالياً في الولايات المتحدة وغرينلاند (الدنمارك) وبريطانيا. واعتبرت موسكو هذا الاتفاق بأنه كمن يصب الزيت على نار العلاقات الروسية الأميركية، وهددت بولندا مباشرة بأنها أصبحت الآن عرضة لرد عسكري مباشر، على اعتبار أن القيادة الروسية ترى في هذا الدرع تهديداً مباشراً لها وإخلالاً بموازين القوى واتفاقيات الحد من انتشار الصواريخ الاستراتيجية المعمول بها منذ اتفاقيات سولت -1 في سبعينات القرن الماضي.
إلا أن واشنطن تصر على أن الدرع الصاروخية موجهة لدول مثل إيران وكوريا الشمالية، وتنفي أي تهديد لروسيا وتكرر مواقفها السابقة باستعدادها لإدارة مشتركة للأنظمة الدفاعية، وهي مسألة من حيث المبدأ مرفوضة من قبل روسيا التي ترى في أوروبا الشرقية ومنطقة البحر الأسود والقوقاز مكونات أساسية من استراتيجية الأمن القومي لديها.
في المقابل، فإن التحرك الأميركي بتسريع توقيع الاتفاق مع بولندا يعطي إشارة قوية إلى الروس بأن الولايات المتحدة لن ترتدع من جراء التصعيد الروسي العنيف في جورجيا، كما أنها إشارة أخرى إلى أن واشنطن باتت ترى في ما سماه وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد بأوروبا الجديدة بأنهم حلفاء أكثر قرباً من أوروبا القديمة (الغربية).
وأكثر استجابة لاستراتيجية المحافظين الجدد في مواجهة الخصوم، وهو ما دفع الولايات المتحدة منذ البداية وخاصة إبان التحضير لحرب العراق، بتوثيق تحالفها العسكري مع هذه البلدان مقابل ضمانات أمنية ووعود باستثمارات.
وكانت مواقف دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا من الأزمة في جورجيا بالمقارنة مع الموقف الفرنسي الألماني، لخير دليل على تطابق الأجندة الأميركية مع دول شرق أوروبا، وهو ما يشير إلى توترات مستقبلية أكثر حدة بين الولايات المتحدة وروسيا على تركة الاتحاد السوفييتي السابق.
صحيفة البيان الإماراتية السبت 16/08/2008