الخميس 20 نوفمبر 2008
 
القدس العربي

اجتماع جدة النفطي والحقائق الغائبة

القدس العربي

اجتماع الدول المستهلكة والمصدرة للنفط الذي انعقد يوم امس في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية بدعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يعكس قلق الجانبين، المستهلك والمنتج للنفط معا، من الارتفاع غير المنطقي للاسعار وفي فترة قياسية.
اسباب القلق متعددة، فبعض الدول المصدرة مثل دول الخليج العربي، وعلي رأسها المملكة العربية السعودية باتت تحصل علي عوائد نفطية ضخمة (500 مليار دولار) اكثر من حاجتها بكثير، واصبحت تشكل عبئا ثقيلا علي كاهلها، لانها لا تعرف كيف تستثمرها بشكل آمن. اما الدول المستهلكة، والفقيرة منها علي وجه الخصوص، فقد انهكتها الارتفاعات الخيالية لاسعار النفط، ولم تعد ميزانياتها المثقلة بالعجوزات قادرة علي التعامل مع هذا الارتفاع للاسعار، وما نتج عنه من ارتفاع آخر مخيف للتضخم.
اقتصادات الدول الغنية باتت تعاني فعلا من ارتفاع أسعار الطاقة علي شكل تباطؤ اقتصاداتها او انكماش واضح في معدلات نموها، وبعض الاقتصاديات الغربية دخلت فعلا المراحل الاولي من الكساد، ولكن معاناة الدول الفقيرة مضاعفة بسبب الانعكاسات المرعبة لارتفاع اسعار النفط علي اسعار الغذاء، الامر الذي يهدد بحدوث ثورات جياع في العديد من دول العالم الثالث.
الخبراء يقولون ان ارتفاع الاسعار النفطية عائد الي اسباب عديدة ابرزها جشع المضاربين، وزيادة الاستهلاك، والضرائب المتصاعدة التي تفرضها الحكومات الغربية، ولكن السبب الحقيقي في رأينا هو حالة التوتر التي تسود العالم من جراء السياسة الخارجية الامريكية المتغولة في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي.
الحروب الامريكية الفاشلة في العراق وافغانستان والدعم الامريكي المتواصل لسياسات الاستيطان والاحتلال الاسرائيلية، والتهديدات المتواصلة من امريكا واسرائيل بضرب ايران، كلها ساهمت بدور رئيسي في خلق حالة التوتر والرعب التي تسود العالم حاليا.
فمن غير المنطقي ان ترتفع اسعار برميل النفط من سبعين دولارا الي مئة واربعين دولارا للبرميل في اقل من ستة اشهر، فالاستهلاك العالمي للنفط لم يتضاعف في هذه الفترة حتي نطبق نظرية العرض والطلب الاقتصادية الشهيرة علي هذه المسألة، لا بد ان هناك اسبابا خفية لا نعرفها، ويجوز التكهن بها، بالقول ان هناك عملية تخزين للنفط من قبل بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة، توقعا لحدوث نقص في امدادات الطاقة في حال توجيه ضربة عسكرية لايران يعتقد الكثيرون انها باتت حتمية.
مواجهة ازمة الطاقة مسؤولية الجانبين، الدول المستهلكة والدول المنتجة معا، ومن غير الانصاف تحميل منظمة اوبك وحدها عبء هذه المسؤولية الضخمة، وتكريه شعوب العالم بها بالتالي. وقد احسن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما دعا الي هذا المؤتمر، وخصص حوالي مليار دولار لدعم الدول الفقيرة لمواجهة ازمة ارتفاع الاسعار، فهذا يخفف من الآثار السلبية لهذا الارتفاع.
ويظل لزاما علينا ان نقول ان هذه المبادرة السعودية وحدها، سواء بزيادة انتاج النفط 550 الف برميل يوميا، او بتخصيص صناديق بمنح او قروض ميسرة لمساعدة الدول الفقيرة. هذه المبادرة علي اهميتها تظل اقل كثيرا من المطلوب.
بمعني آخر يجب تشكيل صناديق مساعدات مالية تشارك فيها جميع الدول المصدرة للنفط دون استثناء، وتكون تحت اشراف ادارة مستقلة من منظمة اوبك توزع علي الدول المتضررة فعلا، وبشكل كبير، من زيادة اسعار النفط في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية.
اما النقطة الاخري الاكثر اهمية في رأينا فهي الضغط علي الولايات المتحدة لتغيير سياستها الخارجية المدمرة التي لعبت دورا كبيرا في زعزعة استقرار العالم وتشجيع الارهاب والعنف، وارتفاع اسعار الطاقة والغذاء بالتالي. الدول النفطية، والعربية منها بالذات، يجب أن لا تقدم هذه الخدمات مجانا ودون مقابل، خاصة انها ليست السبب وراء الازمات الحالية، بل كانت، وما زالت، ابرز ضحايا هذه السياسات الامريكية الظالمة.
صحيفة القدس العربي الاثنين 23/06/2008

عدد التعليقات: 0 تعليقات الزوار
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: