الجمعة 9 يناير 2009
 
العرب
حقيقة المساكنة القسرية فى الحكم اللبناني
العرب

رغم الأغلبية المريحة التى نالت بها الحكومة اللبنانية الثقة من المجلس النيابي، فإن هناك جملة من الحقائق التى لا يمكن حجبها بمثل هذا الحدث. فمن حيث المبدأ، لم يكن ثمة من مجال لمفاجآت سياسية فى جلسات مناقشة البيان الوزارى لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة فى لبنان. فالثقة كانت محسومة لحكومة وحدة وطنية تمثل كل الكتل والاتجاهات، والكلمات كانت محكومة بالمنحى التوافقى والسياق السياسى العام الذى أنتجه اتفاق الدوحة. ولكن ما جرى على امتداد أيام من المداخلات التى اختلطت فيها رواسب الأزمة السياسية وهواجس الانتخابات النيابية الآتية، انطوى على "مفاجأة سلبية" حجبت الايجابية الأساسية والوحيدة ربما والمتمثلة بعودة الحياة إلى البرلمان بعد أشهر من التعطيل أو التوقف القسري. وهذه "المفاجأة المتوقعة" تكمن فى أن جلسات الثقة فضحت واقع اللاثقة بين أطراف الحكومة الواحدة، وكشفت الواقع السياسى على حقيقته، وهو واقع "المساكنة السياسية القسرية" فى حكومة الوحدة الوطنية، والبيان الوزارى الملتبس والمفتوح على سجال وخلاف فى تفسير البند المتعلق بالمقاومة وعلاقتها مع الدولة.
لقد تأكد الآن فى ضوء أزمة البيان الوزارى وجلسات مناقشاته، أن الأزمة السياسية مستمرة، وأن حكومة الوحدة لم تضع حدا لها، وان اتفاق الدوحة يظهر أكثر فأكثر كاتفاق هدنة وتسوية بالتوازى مع طبيعة المرحلة الانتقالية فى لبنان الممتدة حتى الانتخابات النيابية العام المقبل. كما أظهرت جلسات الثقة أن قوى 14 آذار لم "تهضم" بعد ولم تتجاوز أحداث مايو الماضى وتداعياتها، ولم تسلّم بالمعادلة التى أعطت المعارضة موقعا متقدما فى الحكم وبالواقع السياسى الذى تتصرف من ضمنه المعارضة من خلفية "غالب ومغلوب". وفى وقت تبدو الأكثرية "مرغمة" على التعاطى مع واقع جديد مرفوض منها وتصدر إشارات الممانعة السياسية، فإن المعارضة التى حصلت على إقرار رسمى بمطالبها، لا سيما فى البيان الوزاري، لم تصل بعد إلى واقع سياسى مستتب تكون فيه التزامات نهائية من جانب فريق ومكاسب نهائية لصالح آخر..
ما توقفت عنده الأوساط المعارضة، بما فى ذلك أوساط الرئيس نبيه برى وباهتمام أمران أولهما الإضافة التى ادخلها الرئيس فؤاد السنيورة على البيان الوزارى وجاء فيها: "وما عاد مقبولا ولا معقولا ارتهان أرواح المواطنين واستقرارهم وأمنهم بذريعة أى هدف كان. فالغاية لا تبرر الوسيلة، ووطننا ليس حقل تجارب أو ساحات. ما عادت المغامرة ممكنة، ولا عادت الخسارة مقبولة. ما عاد المواطن اللبنانى يتحمل المجازفات، ولا الفتن الداخلية. ما عاد مقبولا أن يظل أمن المواطن عرضة للاهتزاز والانتهاك، وعيش المواطن عرضة للضياع"... وهذا الموقف الذى أضافه الرئيس السنيورة على بيان وزارى دقيق تطلبت صياغته أسابيع من المناقشات والمشادات، أثار حفيظة وقلق المعارضة لأنه يعكس خروجا منفردا عن روحية البيان الوزارى ورغبة التملص من مضمونه "المقاوم" فى أول فرصة متاحة.
وثانى الأمرين الحملة العنيفة على سلاح حزب الله انطلاقا من أحداث مايو الماضى فى بيروت وصولا حتى أحداث طرابلس. وهذه الحملة التى طالت بشظاياها الجيش والقوى الأمنية على حيادها أو تقصيرها، يعطيها حزب الله بعدا "انتخابيا دعائيا" لأن قوى 14 آذار فى حاجة إلى عنوان سياسى جاذب لمعركتها والى ما يشد العصب السياسى والطائفى لجمهورها، ولكنه أيضا يعطيها بعدا سياسيا خطيرا لأن هناك عودة فى الخطاب السياسى للأكثرية إلى ما قبل البيان الوزارى وتشكيل الحكومة، ولأن الحملة الداخلية على سلاح حزب الله تتزامن، وعن غير قصد من أصحابها، مع حملة إسرائيلية مماثلة، وتصب الحملتان عند نقطة واحدة هى تشويه صورة المقاومة وسلاحها.
تعتبر المعارضة أن ما جرى فى البرلمان لا يطمئن، ويؤشر إلى مرحلة مقبلة حساسة جدا يمكن أن تشهد تراجع الأكثرية عما تبقى من اتفاق الدوحة بعدما أخذت منه ما يناسبها وأعطت أقصى ما يمكنها. والخشية هنا على الانتخابات المقبلة التى تواجه خطرين: خطر الاختلاف على قانون الانتخابات، وخطر عدم إجراء الانتخابات فى موعدها.. ولكن إذا كانت المعارضة تقفز من جلسة الثقة مباشرة إلى الانتخابات النيابية، فإن الأكثرية مصرة على تصفية رواسب المرحلة السابقة قبل الانتقال إلى مرحلة الانتخابات، لأن ما حصل حتى الآن وما أعطته من جانبها كان "بالإكراه" ولم يكن عن قناعة، ولأن الوصول إلى محطة الانتخابات فى ظل الوضع الحالى يعنى انتخابات تحت وطأة السلاح وتأثيره أو انتخابات عقيمة لأن الأكثرية لا يمكنها أن تحكم فى ظل هذا الواقع. وفى الوقت الذى تخشى فيه المعارضة على مكاسب "الدوحة" بأن يتم إفراغ بند المقاومة فى البيان الوزارى من مضمونه الفعلي، وان يتم التراجع عن قانون الانتخابات، كما تخشى الأكثرية أن يتم تجاوز التعهدات الواردة فى اتفاق الدوحة وفى مقدمها التعهد بعدم إعاقة عمل الحكومة وعدم العودة إلى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية.
صحيفة العرب أنلاين اللندنية الأربعاء 13/08/2008

عدد التعليقات: 0 تعليقات الزوار
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: