مؤمن الشرافي – غزة: هرباً من موجة الحر التي اجتاحت الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، ومع ارتفاع درجات الحرارة، توجه الغزايون إلى شواطئ البحر للاستجمام، علها تلطف من الأجواء السياسية الحارة التي يعيشها الفلسطينيون بفعل التجاذبات السياسية الحداة داخلياً علاوة على سخونة التصعيد والعمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من القطاع.
أجواء سياسية أقصت ودمرت ما تبقى من ركام حلم الدولة والقدس، فلم يبقى لهم سوى البحر يشكون إليه همومهم وآلامهم عله في هذه المرة يجد الجواب الذي عجز فطاحلة المحللين والمفسرين عن إيجاده لفك طلاسم القضية الفلسطينية المعقدة التي ما زالت تراوح مكانها وتتراجع بفعل الانقسام الداخلي الفلسطيني.
وللخروج من الكابوس والواقع المرير الذي شل كافة مقومات الحياة من اقتصاد مدمر وحصار مشدد وخانق وأمن مفقود وقادة أصابهم حمى الردح السياسي على وسائل الإعلام، يتكدس المئات من الفلسطينيين على امتداد شواطئ بحر قطاع غزة، تتأمل عيونهم بحرا تتلاطم أمواجه معرباً عن سخطه وغضبه لما آل إليه وضع زواره من فقر مدقع وانحراف للبوصلة التي تتجه نحو الأمل في بناء دولة يعمها الأمن والاستقرار للجميع.

أبو أحمد خرج رفقة عائلته المكونة من خمسة أفراد للاستجمام على شواطئ البحر، بدأ حديثه معنا وقد تحلق حوله أطفاله الأربعة يرمقهم بعينه عل المستقبل يحمل في طياته ما هو أجمل وأفضل، فيقول "أجواء الصيف في هذا العام سيئة للغاية خاصة أنه ومع كل يوم يسقط شهداء ويموت مرضى بفعل الحصار ويتصاعد العدوان الإسرائيلي،، فلم يعد مكان للفرح في حياتنا... جئت للبحر بصحبة أطفالي لأخرجهم من ضغط الأجواء المشحونة التي نحياها في كل لحظة"، مضيفاً وكابوس السياسة يلاحقه حتى على شاطئ البحر "البحر هو المكان الوحيد إلي بيقدر يطلعوا عليه سكان غزة، لأنو إحنا بنختلف عن باقي الدول وما في حدائق أو متنزهات أو ملاهي إحنا في غزة ما في عنا غير البحر، طول عمرها غزة معزولة عن العالم، والحصار موجود من زمان بس الشعب تأقلم على الحصار، لكن إذا أنا بدي أضل عايش في الحصار راح أموت، لكن الحياة مش ممكن تتوقف عند إغلاق معين".

أما زوجته أم أحمد فقالت "الناس مش مبسوطة وبالعكس الشط بيكون عليه ناس أكتر من هيك عشر مرات في الأعوام الماضية، الناس مش مبسوطة وفي ناس ماتوا ولادها والوضع مش كتير كويس بس الناس طالعة على البحر مش عشان مبسوطة أو هيك، عشان هو المنفذ الوحيد للترفيه عن النفس"، معربة في الوقت ذاته عن خوفها مما يخبئه المستقبل لها ولأطفالها الخمسة قائلة " الطخ والاجتياح وبردو الشط مليان ناس، يمكن تيجي أيام الناس ما يقدروا يطلعوا من البيت، مين ابنو مات أو تصاوب وجاي على بالوا يطلع في نزهة للبحر".
وبينما يدور الحديث مع أم احمد تلحظ على شواطئ غزة عشرات الأطفال وقد ارتسمت على وجوههم الفرحة من جديد، بعد أن تشردت بين فوهات البنادق وأزيز الرصاص ودوي الانفجارات ، يناجون البحر عله يضمهم في أحضانه الدافئة ليغسل عنهم الخوف والرعب الذي يعيشونه في كل لحظة.

الطفلة أريج ذات السبعة أعوام تقول "البحر كتير حلو، وأنا فرحانة كتير لأني في البحر وبحب البحر كتير"، وعند سؤالها عن حلمها في المستقبل أجابت "أنا بحلم أكون دكتورة أعالج الناس خاصة إلي بتصاوبوا من الطخ والنار".
حين تسير على شواطئ البحر لا يمكنك إغفال قلة المستجمين على الشاطئ مقارنة بالأعوام السابقة، يقول الشاب محمد أحد العاملين في استراحة الغروب البحرية " مافي شك إنو عدد الناس قليل مقارنة بالعام الماضي، والسبب في هيك، هو الحصار وارتفاع التكاليف وانقطاع الرواتب عن الموظفين"، مضيفاً "بالعربي الناس ما في معاها فلوس إلي كان يجينا يشتري ب 200 شيكل أو 150 شيكل حالياً معوش 10 شيكل أو 20 شيكل. في ناس بتيجي للشط سيراً على الأقدام لأنو ما في دخل أو فلوس معهم ليستأجروا تاكسي يوصلهم للبحر".

ومع غروب الشمس، التي تنسج أشعتها على مياه بحر غزة لوحة فنية غاية في الجمال يترقب الغزيون أفولها على أمل إشراقة جديدة تحمل بين خيوط أشعتها مستقبلا يعمه الأمن والأمان، وحصار يزول مع لحظة غروبها.