دمشق – جهاد أسعد محمد: ما إن أعلنت القيادة السياسية في سورية تبنيها لـ(اقتصاد السوق الاجتماعي) في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم قبل ثلاث سنوات، حتى عدّ اقتصاديو حكومة السيد ناجي العطري ذلك إيذاناً بالتحول (التاريخي) نحو اقتصاد السوق الحر، فتناسوا (الاجتماعي) بشكل شبه كلي، وشرعوا برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية السيد عبد الله الدردري بتنفيذ سياسات نيوليبرالية شاملة بمباركة ودعم من صندوق النقد، والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة الحرة والاتحاد الأوربي..إلخ.. وهكذا راح الناس في سورية يسمعون لأول مرة منذ نحو خمسة عقود بمصطلحات وشعارات كانوا قد أوشكوا على نسيانها في ظل "الاقتصاد الموجه" كالخصخصة، وتحرير التجارة والأسعار، ورفع الدعم، وإلغاء الدور الرعائي للدولة، التي راحت تُنتهج بشكل تدريجي، مزيلة من طريقها شعارات ومكتسبات ثورة آذار 1963مثل: "اليد المنتجة هي اليد العليا في سورية" و"لا حياة في سورية إلا للتقدم والاشتراكية"، مما جعل الاقتصاد السوري يصاب باختلالات قوية على المستويات كافة، فازدادت البطالة، وتقلصت الخدمات والضمانات الاجتماعية، وتهالك القطاع العام، وتدهورت الزراعة والصناعة، وتراجع الإنفاق الحكومي.

ووصلت التغييرات الجذرية الجديدة إلى ذروتها أوائل أيار/مايو الماضي، حين تم رفع الدعم عن المشتقات النفطية (وتحديداً المازوت) بعد ممانعة شديدة من القوى الوطنية والمنظمات الشعبية والنقابات، الأمر الذي تسبب فور تطبيقه بموجة غلاء عارمة طالت جميع السلع الأساسية، وتجلت أقسى آثارها في قطاع النقل، الذي ازدادت تكاليفه وأجوره بنسب تراوحت بين 75 – 85%، فأحدث ذلك استياء شعبياً كبيراً لدى مختلف الشرائح..
لقد تم رفع سعر ليتر المازوت (الديزل)، وهو بمعظمه منتج محلياً، من 7 ليرات إلى 25 ليرة سورية دفعة واحدة، بحجة إيقاف تهريبه إلى الدول المجاورة.. فكان هذا القرار بمثابة الزلزال، الذي طالت تداعياته وهزاته الارتدادية جميع مناحي الحياة..
انعكاسات خطيرة على النقل بين المحافظات
تُوصف سورية بأنها "أكبر بلد صغير في العالم"، إذ تبلغ مساحتها 185 ألف كم مربع، وهي مقسّمة إدارياً إلى أربع عشرة محافظة، وأقصى بعد فيها لنقطتين عن بعضهما يصل حتى حدود 1300 كم (بين عين ديوار في أقصى الشمال الشرقي والقنيطرة في أقصى الجنوب الغربي)، وكان النقل بين جميع المحافظات سهلاً ويسيراً لتوفر طرق المواصلات الرئيسة والفرعية وتنوع وسائل النقل الحديثة والرخيصة نسبياً، وهو ما كان يساعد على نقل البضائع والركاب وتبادل السلع بتواتر عال، كما كان من أحد أهم ثماره تمتين عرى الوحدة الوطنية للبلاد وربط أطرافها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، مركزياً بالعاصمة..

وفي نظرة سريعة على أجور النقل بين المحافظات قبل الارتفاعات الأخيرة، نرى أن بطاقة السفر الأغلى بين محافظتين كانت بين العاصمة دمشق ومحافظة "الحسكة" (850 كم)، وكانت لا تتجاوز الـ250 ليرة سورية (خمسة دولارات) في الحافلات الحديثة المكيّفة (البولمان)، و180 ليرة في الحافلات الشعبية، بينما في القطار (قطاع عام) لم تكن تتعدى الـ100 ليرة، فما هي النتائج الأولية لارتفاع أجور النقل على حركة النقل بين المحافظات، بعد نحو شهر من حدوث ذلك؟
أدى تضاعف أجور النقل الذي حدث بصورة مفاجأة، وفي ذروة النشاط الزراعي الموسمي وحركة الطلاب إلى النتائج التالية:
- توقف عدد من الشركات الخاصة الحديثة عن تسيير الرحلات، أو تخفيضها لمستويات متدنية جداً، وخاصة نحو المحافظات الأكثر بعداً، بسبب توقف الطلب عليها ولجوء الركاب إلى الشركات الشعبية الرخيصة نسبياً، أو إلى النقل السككي.
- ازدياد تكاليف النقل الزراعي (خضراوات، بقول، فواكه وثمار، حبوب)، مما تسبب بخسارات كبيرة للمزارعين وتجار الجملة الصغار من جهة، وأوجد أكثر من سعر للسلعة الواحدة يختلف ببعد كل محافظة عن المحافظة/ المنشأ، من جهة ثانية!!
- تحميل الأسر السورية أعباء مالية إضافية، وخاصة للعائلات التي لديها طلاب يدرسون في جامعات العاصمة أو في محافظات أخرى.
- ازدياد نشاط السماسرة واقتصاد الظل، خصوصاً بعد أن تخلت الدولة بشكل كلي عن التسويق وإدارة التبادل السلعي.
- انعزال بعض المحافظات والمناطق البعيدة عن المركز، مثل "القامشلي" التابعة لمحافظة الحسكة، و"البوكمال" التابعة لمحافظة دير الزور، بسبب ضعف إمكانيات أبنائها المادية، وتراجع أرباحهم الزراعية والحيوانية.
النقل الداخلي المتخبط
في خطوة كانت الأسوأ تاريخياً لحل مشكلة النقل الداخلي في العاصمة دمشق (5 مليون نسمة)، كما في بقية المحافظات، جرى الاعتماد منذ مطلع تسعينات القرن الماضي على (الفانات) أو السرافيس الصغيرة، سعة 12 راكباً لتخديم سكان المدن، لكن هذا الخيار الذي حاولت جميع الدول تجنبه والاتجاه إلى نقيضه أي الباصات الكبيرة؛ سرعان ما تحول إلى مشكلة بسبب استهلاكه الكبير للوقود وارتفاع أجوره وما يولّده من ازدحام وتلوث وضجيج. ومع الارتفاع الكبير في أسعار المازوت تضاعفت أجور النقل في هذه السرافيس عملياً بنسبة 90 – 100%، وأصبح ركوبها المتكرر عبئاً كبيراً على المواطن السوري الذي أصبح مضطراً لدفع وسطياً بين 15 – 20% من راتبه أجور نقل داخلي فقط، فكيف إذا فكّر بالسفر إلى محافظة أخرى لقضاء إجازة؟

علماً أن متوسط دخل المواطن السوري العامل بأجر لا يتجاوز شهرياً الـ 8000 آلاف ليرة سورية (نحو 160 دولار)، وهذا يعد أضعف أجر في محيطه...
ويزيد من عمق المشكلة أن التعرفة الجديدة التي قررتها وزارة الاقتصاد والتجارة، لا يلتزم بها السائقون الذين باتوا يشترون المازوت بأسعار غير مدعومة لأنها ظالمة بحقهم، وبالتالي يأخذونها بزيادات متفاوتة من الراكب الفقير، كما أنها أكبر من قدرة المواطن ذي الدخل المحدود الذي يضطر إلى دفعها كاملة حتى بين موقفين أو محطتين قصيرتين.!
النقل الخارجي.. وداعاً!
لم يسلم سائقو البرادات والشاحنات العاملون في النقل البري على الخطوط الدولية: تركيا – الأردن – العراق – الخليج العربي...، من تداعيات رفع أسعار الديزل، بل لعلهم دفعوا الثمن الأكبر في هذه المعمعة، إذ فُرض عليهم أن يشتروا المحروقات (السورية) التي يفترض الدستور السوري أن لهم حصة فيها، بالسعر الدولي، أي بـ59 ليرة سورية لليتر الواحد، مما زاد من التكاليف المترتبة عليهم، وأضعف قدرتهم على منافسة الشركات والسائقين الأجانب المدعومين من دولهم، وبالتالي أصبح تاجر الجملة السوري يفضّل التعامل مع غير السوريين لتوريد بضائعه إلى الدول المجاورة، لأنهم يقدمون له سعراً أرخص، وهذا ما دفع "جمعية النقل المبرّد" لتنفيذ عدة اعتصامات أمام مبنى رئاسة مجلس الوزراء للنظر في قضيتهم، وما تزال المشكلة عالقة دون حل.
فوضى عارمة

في تبريره لرفع أسعار المحروقات، أكد الفريق الاقتصادي في الحكومة أنه كان مجبراً على هذه الخطوة أملاً في إيقاف التهريب الحاصل للمازوت إلى الدول المجاورة (تركيا – الأردن – لبنان..)، وأن هذا الارتفاع سيستمر بشكل تدريجي حتى الوصول إلى الأسعار العالمية، لكن هذا الفريق لم ينبس ببنت شفة عن الأجور المتدنية جداً في سورية، وهل ستصبح في المقابل هي أيضاً أجوراً عالمية؟! فمع رفع الدعم عن المحروقات، وارتفاع أسعارها بنسبة 357% التي أحدثت فوضى عارمة في الأسواق ورفعت أسعار كل السلع الأساسية بنسب مشابهة؛ ازدادت الأجور بمعدل 25% فقط، وهي لا تكفي لتغطية ارتفاع أسعار وأجور النقل!! فما عسى المواطن السوري يفعل بعد أن أصبح عاجزاً عن تأمين حاجاته الأساسية؟؟
الاقتصاديون يتحدثون
لمعرفة آراء المختصين، التقت الخيمة عدداً من الاقتصاديين السوريين وحاورتهم.. وفي هذا السياق قال د.نزار عبد الله (اقتصاد خدمات)":"ما حدث مؤخراً، هو خطأ اقتصادي واجتماعي ووطني كبير، ويجب التراجع عنه فوراً.. يدعو صندوق النقد والمصرف الدوليان لإلغاء الدعم في الدول النامية تنفيذاً لإملاءات الدول الاستعمارية- الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه تظل سياسة الدعم فاعلة في هذه الدول، خاصة للقطاع الزراعي وللخدمات العامة. مصفاة حمص وبانياس تعانيان من عجز وصل إلى 22.2 مليار ل.س.. إذ تبيع الجهات المعنية النفط بأسعار التصدير للمصفاتين وتحملهما مغبة الدعم! في حين أنه يجب بيع النفط للمصفاتين بسعر الكلفة مضافاً إليه هامش ربح متواضع، وليكن 10%، وتتحمل الدولة وليس المصفاتان كلف الدعم. هذا إبهام متعمد لإعطاء صورة مضللة للقيادة السياسية وللناس على السواء. هنالك أسعار للداخل وأخرى للتصدير، وهنالك دعم للمازوت المستورد فقط، وليس للذي ننتجه محلياً. لكن لماذا نستورد المازوت ونحن نستطيع الاستغناء عن ذلك؟ إن تحويل وسائل النقل الطرقي لتعمل على الغاز، يغنينا عن استيراده. ففي سورية تستهلك وسائل النقل أكثر من 2 مليون طن من المازوت، هذا قبل فتح استيراد السيارات الذي جرى مؤخراً، فيما نحرق الغاز بلا جدوى وبكميات كبيرة، يقدر البعض قيمتها بـ10 مليون دولار يومياً. فوق ذلك سنحصل على مليار م3 من الغاز سنوياً كرسم لخط الغاز القادم من مصر عبر أراضينا إلى أوروبا، ومن المنتظر أن نحصل على موارد إضافية من خط الغاز القادم من العراق إلى الغرب أيضاً. منذ عقود ووسائل النقل في دول أخرى تعمل على الغاز، وقد عرضت الأمم المتحدة دعماً مالياً للدول التي تعتمد الغاز حفاظاً على البيئة. الجهات المعنية رفضت ذلك وماتزال دون تبرير عقلاني. تصل حصة قطاع النقل من الناتج القومي الإجمالي إلى قرابة 16% قبل رفع أسعار المازوت، بينما لا يتجاوز في الدول المتطورة 10%. لقد زدنا الهوة اتساعاً بيننا وبينهم، فأبطأنا نمو ناتجنا القومي، ويجب ألا ننسى هنا أن وسطي الأجر في دول الإتحاد الأوروبي يعادل أكثر من 13 ضعفاً لوسطي الأجر عندنا، وما من خطط لرفع مستوى الأجور عند مدبري السياسة الاقتصادية! وإذا ظل الحال كما هو عليه فسيظل الكساد مهيمناً، وسيستفحل التضخم، وقد يصل إلى حد "التضخم الجامح" الذي يدمر الاقتصاد والمجتمع كما يفعل الزلزال! على السياسة الاقتصادية أن تحارب التضخم لا أن تؤججه.. عليها أن تحسّن القدرة التنافسية للاقتصاد لا أن تدمره".

أما د. منير الحمش المستشار الاقتصادي، والرئيس السابق لمركز الدراسات الإستراتيجية بدمشق، فيرى أن "الحجة التي يقدمها الفريق الاقتصادي الحكومي لرفع الدعم، هي عجز الموازنة العامة الذي ينجم عن تحميل الخزينة العامة أموال الدعم الطائلة التي لم يعد بالإمكان تحمل ضغطها على الموازنة العامة للدولة، لكن جاءت حجة ثانية (من عالم الغيب) راح الفريق الاقتصادي يتذرع بها، وهي الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي بدأت بأزمة (الائتمان العقاري الأميركي) ثم بتسارع ارتفاع أسعار النفط وأسعار المواد الغذائية وسوء الأحوال الجوية في الموسم الماضي، وغير ذلك من أسباب خارجة عن السيطرة كما يقولون..
إن إلحاح الفريق الاقتصادي، والمؤسسات الدولية والدول الصناعية المتقدمة، لإدماج سورية بالاقتصاد العالمي، يتعارض مع توجهات الشعب وقيادته السياسية، وكذلك مع توجهات الأمم المتحدة للارتقاء بالتنمية البشرية والاهتمام بتخفيض الفقر واللامساواة.
ومن هذا المنطلق حذر تقرير التنمية البشرية لعام 2005، من التسرع في الاندماج بالاقتصاد العالمي، ونبه إلى ضرورة توجيه اهتمام أكبر إلى الشروط التي يتم بموجبها اندماج الدول في الأسواق العالمية.. وهذا كله لم يراع لدينا عند اتخاذ الإجراءات الخطيرة التي جرت مؤخراً، وخاصة في قطاع النقل".
أما د. سنان علي ديب الأستاذ المحاضر في جامعة تشرين - اللاذقية، فأكد أن "الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت مؤخراً أثقلت كاهل المواطنين بالضرائب والرسوم التي تتحمل الشرائح الأفقر عبئها من دون مراعاة العدالة الاجتماعية، وأدت إلى تخفيض كبير على الرسوم الجمركية أثر على الموازنة، وجاء رفع الدعم ليس عن المحروقات فقط بل عن المحاصيل الإستراتيجية ليزيد الأمور سوءاً، وليمس بالأمن الغذائي الذي كنا ننعم به، وما يجري في قطاع النقل حالياً بدأت ملامحه تتجلى بعد الحملة على مؤسسة الكرنك (قطاع مشترك) التي جرى تفتيتها"..
خلاصة أولية
إن ما يجري حالياً في قطاع النقل السوري، ينذر بعواقب وخيمة على المدى المتوسط، ولعل القيمين على القرار الاقتصادي في الحكومة لا يعلمون بأن أحد أهم مقومات الوحدة السياسية للبلدان والدول هو انتماء الشعب لأمته، وبقاء الاتصال قائماً بين أوردة هذه الأمة وشرايينها، وهذا ما حافظ على وحدة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وما يدعّم وحدة الصين، وما يهدد وحدة السودان السائر نحو التقسيم.