يوري اندرييف – موسكو: في مثل هذه الأيام تحتفل روسيا من كل عام ومنذ 18 عاما بعيد "الاستقلال"، الا انه وحتى اليوم لم يتمكن احد من تحديد امر واحد وهو عمن استقلت البلاد.
في 12 حزيران من العام 1990 وقع رئيس مجلس السوفيات الاعلى حينها بوريس يلتسين على مرسوم "سيادة دولة روسيا السوفياتية"، وخلال عام انتخب يلتسين رئيسا على دولة روسيا الإتحادية.
التاريخان بالطبع هما رمزيان، لكنهم لم يدخلا في الوجدان الشعبي الا في العام 2001 بمرسوم من الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين الذي اعاد تسمية هذا اليوم بـ "يوم روسيا" ومنحه صفة العيد الرسمي أي يوم عطلة.
وبالسؤال عن معاني العيد وعمن استقلت روسيا توجهنا الى دكتور علم الاجتماع السيد غيورغي بورودينسك فقال "في الحقيقة لا تساورنا اية مشاعر بالاستقلال لاننا كنا نعيش مع جمهوريات شقيقة في الاتحاد السوفياتي السابق وكانت لنا مع الجميع اكثر من علاقات اخوة". واضاف "اذا اخذت مواقف الدول السوفياتية السابقة من دولتنا فانها ايجابية وبنسبة مرتفعة جدا تصل الى أكثر من الـ 80 بالمئة. وتنظر شعوب هذه الدول باستحسان الى روسيا، كما ان لنا معها علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية جيدة ولا يمكن لنا او لها ان نستغني عن بعضنا بهذه السهولة".

ويورد بوريس احدى النكات التي يتداولها الناس والتي تؤشر الى ان هذه الشعوب كانت وما زالت بحاجة لبعضها البعض وكانت تكمل في الكثير من نواحي الحياة بعضها، "دخل رجل ارمني يوماً على زوجته وهو يحمل ارنباً وقال لها: اسلقيه لنأكله، فاجابته على الفور بماذا ولا توجد لدينا مياه في الجمهورية، فقال: حسنا اشويه! فقالت: لا يوجد غاز، عندها انفعل الرجل وصرخ: ضعيه في "الميكروويف" فقالت: لا توجد كهرباء، اغتاظ الرجل شديد الغيظ واختطف الارنب من يديها ورماه من النافذة وصاح فلتعش ارمينيا حرة مستقلة".
هذه هي بالفعل حالة الجمهوريات السوفياتية السابقة التي اعتقدت انها حصلت على استقلالها في الوقت الذي كانت فيه تحتاج الى كل شيء تؤمنه بترابطها الشديد والعميق واواصر العلاقات العضوية والاسرية والاجتماعية والاقتصادية بينها.
بوردينسك يؤكد على ان "روسيا هي اليوم احد عوامل ضبط الاستقرار في الكثير من دول الرابطة المستقلة وبالاخص تلك التي تعاني من مشاكل امنية واجتماعية واقتصادية حادة كطاجكستان ودول القفقاس واوكرانيا وبيلاروسيا وغيرها".
ويتابع "هناك حالة عدم استقرار غير متكونة في كل تلك الدول، وهي كلها تحتاج الى استثمارات من روسيا التي شهدت تطوراً اقتصاديا متسارعاً أكبر بكثير من العديد من تلك الدول".
ومهما قيل ويقال تبدو روسيا اليوم وبعدد سكان يصل الى 142 مليون نسمة (مع تراجع عما كانت عليه بـ 5 ملايين نسمة منذ انفصالها) تشهد حاليا نمواً اقتصادياً يتوقع ان يصل الى 8 بالمئة العام 2008 في حين ان الناتج القومي فاض عن 1،7 تريليون دولار اي بمعدل 12 الف دولار للشخص الواحد، في حين ان متوسط الاجور في روسيا بلغ 700 دولار حسب اخر الاحصاءات.
اليوم لم يعد يعني الكثيرين كيف انهار الاتحاد السوفياتي وكيف السبيل الى اعادة استرجاعه. الاهم بالنسبة لهم العمل على اعادة ايجاد محاور تلاقي بين الجمهوريات السابقة التي من دون شك ما زالت بحاجة لبعضها البعض ولا يكفي فقط التغني بالاستقلال والتعبير عنه كلاميا، حيث يمكن الآن ان تحتفظ كل جمهورية بالاستقلال الذي تريده والسيادة التي تفتش عنها، بما في ذلك روسيا، الا ان الاهم السعي الى تعميق الروابط، فلا يجوز ان تتقطع اوصال هذه الجمهوريات بين بعضها وبينها وبين روسيا في حين ان الإتحاد الاوروبي يفتش عن توحيد دوله.

لقد استطاعت روسيا ان تعود الى مستوى العام 90 في ناتج دخلها القومي، كما ان البلاد تشهد عودة كبيرة للاستثمارات الضخمة وباختصار لم يعد ينفع الاحتفال بهذا العيد، ومن الافضل اعتباره محطة للتوقف والتفكير حول ما الذي يمكننا ان نفعله الان مع تلك الدول التي كنا قد ربطنا مصيرنا بمصيرها لعقود طويلة.
-يقول بورودينسك في هذا الصدد "انا شخصيا لا احتفل بيوم "الاستقلال" كما يسمونه لانه وبكل بساطة لا استطيع ان افهمه، انا اعتقد ان انهيار الاتحاد السوفياتي كان صفحة مآساوية في التاريخ الروسي الحديث وليس هناك من مبرر للاحتفال به، مع العلم اني اتفهم حاجة الدولة لاستنباط بطريقة وباخرى طقوس واعياد جديدة لتوحيد الشعب ولصهره وخلق مشاعر وحدة وفخر ووطنية الا ان الاعياد يمكن الاحتفال بها عندما تخرج طبيعيا من رحم الشعوب".
اما اخر استطلاع للرأي اجري في روسيا لتقييم الاوضاع وآراء الناس اظهر ان 61 بالمئة من الروس اعربوا عن رضاهم على الاوضاع الحالية في البلاد، في حين ان 17 بالمئة عبروا عن استيائهم منها ووجد 22 بالمئة صعوبة في الاجابة عن السؤال.
وتبقى الاشارة الى ان الشعب هو الحكم الاول والاخير، وله الكلمة الفصل في تحديد الخيط الاسود من الابيض، كما انه القادر الوحيد على تحسس الحلول التي تؤدي الى الخروج من الأزمات الكبرى.