يوري اندرييف – موسكو: بين ليلة وضحاها تحولت بلاد السوفيات الواسعة الموحدة الى جمهوريات مقسمة "مستقلة" وتشتت في ارجائها شعوبٌ كانت تعيش في الـ 22 مليون كيلومتر مربع من حدود اليابان الى حدود ايران وافغانستان وفنلندا والصين. فكل طاجيكي في اقصى الجنوب، وكل اوزبكي وكل روسي في اقصى الشرق واوكراني وارمني وجورجي والخ... كان يسرح كما يشاء في هذه الاطراف من دون سؤال، كما يحلو له من دون حدود او تصريح. اما وقد تغيرت الاوضاع وتقسمت البلاد الواحدة غداة انهيار الاتحاد السوفياتي الى عدة دول، فقد وجد الكثير من هؤلاء انفسهم غرباء في وطنهم من دون اقامات تحدد مكان سكنهم سوى الجواز السوفياتي السابق، وما زاد الطين بلة الانهيارات الاقتصادية التي فاقمت الأوضاع في الجمهوريات السوفياتية السابقة وخاصة منها الآسيوية والقفقاسية اضافة الى الذين تم اجلاؤهم من بؤر الصراع المسلح، والفارين من التمييز العرقي... على مدى السنوات العشر الماضية ما دفع بالملايين الى الهجرة ناحية الوسط الاوروبي الروسي حيث اعتادوا على الدوام او اعتاد اباؤهم التجوال وهم بعد صغار، واذ بهم اصبحوا فيها اغرابا غير مرحب بهم.

ويلات وإذلال
حسب احصاءات دائرة الهجرة الاتحادية الروسية، ففي روسيا اليوم هناك حوالي 10 ملايين مهاجر غير شرعي او غير موثّق، هم في الاساس محرومون من كافة الحقوق الإجتماعية والطبيعية والإنسانية ويشكلون اليد العاملة الرخيصه المُستَغلة الى حد العبودية، ما يخلق مشاكل عديدة لهم ليس اقلها حالات الفقر والعوز وهم مضطرون لذلك الى التهرب على الدوام من السلطات الشرعية في البلاد ومن اجهزة الأمن خوفا من الاعتقال. ويشير غيورغي بيسينكوف احد مسؤولي مكتب الهجرة الفدرالي الى ان التهرب من الضرائب الناجمة عن عمل اليد العاملة غير الشرعية في روسيا، يكبد البلاد خسائر فادحة تزيد عن 250 مليار روبل في السنة (حوالي 10 مليارات دولار)، في حين أن الاموال التي يرسلها هؤلاء الى ذويهم في تجاوز للقوانين المرعية الاجراء، تبلغ نحو 260 مليار روبل.
ووفقا لما يقول بيسينكوف فان "الهجره غير المشروعة التي لا تلتزم بانظمة الدولة المركزية، تغذي الاقتصاد السري وكذلك تزيد من معدلات الجريمة في المجتمع، بسبب بُعد المهاجرين غير الشرعيين عن الحماية الاجتماعية، ما يدفعهم في الغالب لتأمين وسيلة عيشهم عبر تشكيل اقتصاد ظل، أو الكسب عن طريق ارتكاب الجرائم، ويصبحون نتيجة لذلك شريحة مهمشة اجتماعيا فريسة سهلة لكل انواع التعسف".

تنظيم حياة المهاجرين
وتقول المرشدة الاجتماعية يوليا ماتروسفنا ان "هناك اشكالية قائمة تتعلق بصعوبة اندماج هؤلاء المهاجرين في الحياة في روسيا، وبهدف مساعدتهم على التكيف، وبشكل اكثر تحديدا، تتطلب المشكلة مفهوما جديدا للتلاقي العرقي والثقافي والتعليمي".
ووفقا لها، فان "هناك نية لوضع نظام تعليمي خاص جديد يتعلق بهؤلاء، يتضمن برنامجا لدراسة اللغة الروسية، لان حاجز اللغة وبالنسبة للكثير من المهاجرين يشكل عائقا خطيرا يتعين حله بداية". وشددت على ان "المؤسسات التعليميه الجديدة يطلق عليها اسم (مدرسة اللغة الروسيه)، ولكن في الحقيقة هذه المدرسة هي مكان للتكيف الاجتماعي، ففيها تتم مساعدة المهاجرين ليس فقط على تعلم اللغة الروسية، وانما تساعدهم ايضا على التكيف مع الظروف الجديدة للحياة. حيث تستقبل نهاراً الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، ومساءً البالغين منهم".
وتضيف ماتروسفنا انه "يجري وفي معظم البلدان الاوروبية المتطورة العمل على الاستفادة من المهاجرين لتحفيز التنمية الاقتصادية فى المناطق، ولتحسين الوضع الاجتماعي". وبرأيها فان "شرعنة الهجرة افضل من بقائها كما هي عليه خارج القانون".
وكما جاء في احصائيات مكتب الهجرة الفدرالي فقد طرد من المهاجرين غير الشرعيين من موسكو في العام الماضي35 الف شخص، وهو رقم كبيرنسبيا. كما ضبطت آلاف بطاقات الهجرة وتراخيص العمل المزورة في العاصمة. وللأسف فان بيع تصاريح العمل المزيفه تحول الى عملية مربحه.
وكما علمنا، فان النواب الروس سبق ان ناقشوا امكانيه فرض جزوات عقابيه في ملحق قانون العقوبات الجديد تحت مادة "تهريب المهاجرين" على اولئك الذين يغررون بالمهاجرين ويقومون بتهريب المواطنين الاجانب او الاشخاص الذين لا يحملون جنسية عبر الحدود من اجل الربح بطريقة غير مشروعة، لتصل الاحكام بالسجن عليهم الى 5 سنوات، خاصة اذا تصرف هؤلاء كجماعة منظمة او شكلوا تهديداً لحياة وصحة المهاجرين.
ماتروسفنا اشارت الى "ضرورة تنظيم الية اجتذاب واستخدام العمال الاجانب، خاصة وان موظفي مكتب الهجره التابع لوزاره الشؤون الداخلية الروسية منكبون على استيعاب هذه الظاهرة".
وكما هو معروف فان المجتمع الروسي سيصبح اكثر شيخوخةً بحلول منتصف القرن الحالي، ووفقا لاكاديميه العلوم الروسيه، سوف ينخفض عدد السكان الى 112 مليون نسمة، وسيكون نصفهم من المتقاعدين، ومن هنا تبدو اليد العاملة الأجنبية المهاجرة امراً لا غنى عنه.

ومع ذلك، تلفت يوليا ماتروسفنا الانتباه الى "ان العديد من المهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق وبسبب تفشي البيروقراطيه في أجهزة السلطة أُجبروا على العيش لسنوات في روسيا في أوضاع غير قانونية، ولم يستطيعوا الحصول على تصاريح بالإقامه المؤقتة، او المواطنه، ما أرغمهم على العمل في شروط تشبه العبودية، لإطعام أنفسهم وأسَرهم. ولذلك فحل هذه المشاكل يفترض التخلص من الشكليات البيروقراطية في التعامل مع هؤلاء عبر قوانين مبسطة وضمان الحمايه الاجتماعية لهم، وفي هذا الاطار فان العمل جار على فتح مكتب ضمان اجتماعي للمهاجرين في 12 منطقة روسية، بما فيها موسكو، وسان بطرسبرغ، روستوف، خاباروفسك، فلاديفوستوك وغيرها..."
وتضيف ان "العمل يجري على تصنيف المعلومات عن المهاجرين، وظروف معيشتهم، والمساعدة على سرعة التكيف مع وضعهم الجديد، فمنطقة كاريليا البعيدة وحدها استقطبت حوالى 40 الف شخص من المقيمين فى البلدان المجاورة والذين انتقلوا اليها بحثا عن العمل والحياة الافضل".

المهاجرون حاجة ملحة
من جهته اعلن معهد التنبؤ الاقتصادي التابع للاكاديميه الروسيه ووفقا لاحصاءات لجنة الدولة انه وبحلول العام 2015 سيكون عدد سكان روسيا قد تراجع بنسبة كبيرة ما يتوجب تعويضه عن طريق توظيف العاطلين عن العمل والمتقاعدين وجذب العمال الاجانب الى كل مجالات الاقتصاد تقريبا. وبالفعل ففي عام 2000 وهي السنة الأولى للنمو الاقتصادي في روسيا، واجهت البلاد عجزا في ايجاد اليد العاملة وخاصة بين عمال البناء، حيث انخفض حينها عدد العاطلين عن العمل بنسبة 19 فى المائة، وباختصار ثمة نقص حاد في الموارد البشريه، فالحاجة الى تحقيق الانتعاش الاقتصادى سوف تضطر القيادة السياسية الروسية عاجلاً ام اجلاً الى اعادة تقييم اهمية الهجره ما يفرض وجود واستنباط سياسات منظمة للهجره وتأطيرها قانونيا من خلال انشاء بيئة اجتماعية مؤاتيه لحياة المهاجرين في كل المجالات، ولا سيما في المجال القانوني.
وتجيب ماتروسفنا على سؤال حول ماذا يمكن فعله لحل هذه المسألة الهامة فتقول "المهمة الاساسية، كما يبدو لي، هي خلق الظروف المؤاتيه للهجرة الى روسيا من بلدان رابطة الدول المستقلة وبلدان البلطيق اولا. وذلك لان هؤلاء المواطنين، والغالبيه العظمى منهم تتحدث الروسيه بطلاقة وتعلم جيدا الظروف المعيشيه في البلاد. ففي تسعينات القرن الماضي شهدت روسيا طفرة لم يسبق لها مثيل في هجرة هؤلاء اليها من هذه البلدان حيث بلغ عددهم 4،3 مليون شخص. ولكن حتى هذا لم يكن كافيا للتعويض عن الانخفاض الطبيعي للسكان في تلك السنوات. اما الآن فتدفق المهاجرين الى روسيا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق اخذٌ في الانخفاض السريع حيث وصل الى روسيا العام الماضي ما يقل عن 200 الفا فقط".
وتابعت "احيانا هناك حتى تزايد في عدد الراغبين بالانتقال الى روسيا من كازاخستان وبلدان آسيا، من حيث يأتي الدفق الرئيسي للمهاجرين، الا ان الغالبية العظمى مترددة والسبب هو الاجراءات البيروقراطيه اضافة الى انواع اخرى من الصعوبات.

وفقا لمشروع القانون الاتحادي، الذي عرض في مجلس الدوما الروسي، حول المواطنة والمهاجرين، فان مسألة منح الجنسيه الروسية اصبحت أكثر صعوبة وفي بعض الحالات يمكن التعامل معها بصورة فردية من قبل الرئيس. ومن المهم وفي المقام الأول إقامة شبكة أمان إجتماعي لهؤلاء ومنحهم الحق في التعليم، والرعايه الطبية إضافة الى السكن بالطبع".
وثمة جانب آخر من جوانب الصراع وهو رفض السكان المحليين للمهاجرين غير الشرعيين في كثير من الحالات. فكما يقول عشير محمدوف المهاجر من طاجكستان "لا اعرف لماذ احسّ ان الناس تنظر الينا نظرات كره في الغالب ويحمّلوننا كل مآسيهم، هذا غير صحيح نحن نعمل بكد ولا نمارس الجريمة والأموال التي نرسلها الى اهلنا لا يمكن ان تهدد الامن الاقتصادي للبلاد. حسب رأيي، هذا غير صحيح الاهم من المال، اننا كعمال ضيوف نوفر استقرارا نسبيا على حدود روسيا وهذا اغلى من تلك الاموال".
إضافة الى الهجرة من داخل الاتحاد السوفياتي هناك هجره غير شرعية من خارج الاتحاد السوفياتي السابق وبشكل اساسي هي بين الطلاب المهاجرين من دول افريقيا وآسيا ودول أميركا اللاتينية، من خريجي الجامعات الروسية الذين لا يريدون العودة الى ديارهم بسبب الحروب الاهليه والعرقيه والابادات الجماعية. هؤلاء المهاجرون يعيشون أكثر من عقد من الزمان في روسيا، ويتكيفون مع ظروفها الخاصة بطريقة او باخرى، ولكنهم يبقون خارج الاطار القانوني كونهم لم يحصلوا على تصاريح الاقامة.
وهناك ايضا المهاجرون الصينيون في الشرق الاقصى الروسي، وهؤلاء يثيرون بشدة قلق السكان المحليين لانهم يتدفقون بنسب كبيرة على سوق العمل في روسيا.