الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
عهد بوتين الآفل: عثرات قليلة ونجاحات كبيرة

يوري اندرييف – موسكو: بعد ايام قليلة وفي يوم الاحد القادم في 2 آذار المقبل تحديداً، سيودع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كرسي الرئاسة التي جلس عليها ثماني سنوات حافلة ومليئة بالاحداث المتعددة. ويبدو ان العاملين على دراسة الاوضاع الروسية سيصرفون الجهد الكبير والوقت الطويل قبل ان يتوصلوا الى خلاصة لكل الاعمال التي قام بها او اسس لها بوتين.
الا ان الثابت حتى الآن هو ان بوتين لن يبتعد كثيرا عن قيادة البلاد اذا قام بترشيح احد معاونيه الرئيسيين ديمتري ميدفيديف لمنصب الرئيس بعده على ان يتسلم هو رئاسة الوزراء.
وفي الحقيقة فقد شهد عهد حكم فلاديمير بوتين الذي امتد لفترتين متتاليتين الكثير من النجاحات وبعض الاخفاقات السياسية والاقتصادية

الأمن

على الصعيد الامني ومع وصول فلاديمير بوتين الى الحكم بداية العام 2000 (كان رئيسا للوزراء منذ اواسط العام 1999) سارع الى لمّ شمل صفوف الجيش الروسي لاستيعاب الضربات التي مزقته والمؤامرات التي شتته واعاد تجميعه وقام على الفور في العام 2000 بحملة قوية شعواء على الانفصاليين الشيشان حتى تمكن من القضاء على قيادتهم الاساسية وعزلهم والتقليل من نفوذهم الى ادنى حد ممكن مع تعزيز سلطة المركز، بالرغم من ان هذا الصراع شهد عمليات تفجير ارهابية عديدة في المناطق السكنية الروسية المتعددة. وقاد بوتين على الصعيد السياسي حملة قاسية لوضع الاقاليم وحكامها المتفرّدين (ملوك المناطق) تحت إمرة المركز من خلال تقسيمات جديدة نجح في تحقيقها، وبعدها شن هجوما ساحقا ضد ما كان يسمى بالعائلة ايام سلطة يلتسين وبالاخص اساطين المال والثراء الفاحش داخلها الذين استولوا على مقدرات البلاد في لحظة عابرة، فهرب بعضهم الى الخارج (غوسينسكي وبيريزوفسكي..) والقي بالبعض الاخر في السجون (خودوركوفسكي). وجابه بوتين الإعلام الداخلي الممول من الغرب واستطاع ان يقلل من الخسائر التي كانت تنتظره في هذا المضمار. ووجه ضربات قوية الى بعض اوجه الفساد في البلاد دون ان يتمكن من القضاء عليه حتى النهاية واعاد تسليح الجيش وانتاج اسلحة جديدة حديثة وفتح المجال امام ابتكارات جديدة في كل القطاعات، وسنّ عدداً من التشريعات امّنت بالحد الادنى قوةً للمركز الاداري ومكّنت الرئيس من الظهور امام شعبه كقائد قوي حازم يسيطر على ما حوله.

                   

السياسة الخارجية


وفي مضمار السياسة الخارجية كان الرئيس الروسي مترددا بدايةً لاسباب عديدة اهمها انه كان يركز على تمتين وضعه الداخلي ليستطيع الانطلاق بثبات الى الخارج وهذا ما حصل عندما عززت الولايات المتحدة هجومها على مقربة من حدوده في دول البلطيق واوكرانيا ويوغسلافيا وفي افغانستان، واستطاع بوتين ان يستدرك الاخفاقات السابقة لعهد يلتسين ويستجمع قواه معتمدا في سياسته الخارجية على ايديولوجيا جديدة هي البراغماتية السياسية حيث وضع مصلحة روسيا القومية في رأس اولويات تحركه السياسي الخارجي. كما انه عاد الى نقاط عديدة من العالم تعتبر تقليدية في السياسة الروسية كان يلتيسن قد القى بها ليفترسها الاخرون، ولا سيما عودته الى بعض دول اوروبا الشرقية والى الشرق الاوسط القريب من الحدود الروسية والدول العربية والتي تقدمت كاولوية في سياسته الخارجية، وخاصة في فترة حكمه الثانية، كما عاد بقوة الى ايران الجار القريب واتجه ناحية اميركا اللاتينية واقام افضل العلاقات مع دولها، ولا سيما منها كوبا التي كان للاتحاد السوفياتي علاقات تقليدية متينة معها وحقق تقدما كبيرا في فنزويلا وغيرها من بلدن اميركا اللاتينية الاخرى، وعزز علاقاتاته مع الصين والهند بشكل كبير، وحتى علاقاته مع اوروبا الغربية اولاها الاهتمام الكبير وكان التعامل مع مؤسساتها يجري بمستوى عالي من الحرفية والندية (الاتحاد الاوروبي، الناتو) وركز في علاقاته مع الولايات المتحدة على العمل لايجاد نقاط الالتقاء المشتركة بدل الخلافية مع تزايد وتيرة وصلابة مواقفه من واشنطن وخاصة في نهاية الفترة الثانية من ولايته. كما يتعين القول في هذا النطاق ان بوتين كان في سياساته الدولية حريص على عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى والتشديد على التزام العمل السلمي داخل الامم المتحدة، بما في ذلك تنفيذ قراراتها.

                        

الاقتصاد

وفيما خصّ النجاحات الاقتصادية التي قام بها بوتين فهي كثيرة، فبالرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي والاوروبي فان وتيرة النمو الاقتصادي في روسيا ارتفعت بشكل ملحوظ وبقيت عالية وكان الهمّ الرئيسي للحكومات المتعاقبة طيلة عهده هو محاربة التضخم، فحقق الاقتصاد الروسي في العام 2007  نمواً بمقدار 8,1 بالمئة وهو يواصل نموه بالرغم من الازمات القائمة العالمية والاوروبية، الا ان التضخم السنوي الروسي ارتفع ومنذ آذار الماضي من 7,4 بالمئة الى 12,6 بالمئة في كانون الثاني العام 2008 ويفسر هذا المستوى العالي للتضخم في روسيا بالفائض الكبير في الموازنة العامة حيث جرت عملية تحويل كبيرة للروبل في تموز العام 2007 ادت الى تدفق سيل كبير من الرساميل الى البلاد، كما ان ارتفاع الاسعار الكبير في سوق المواد الغذائية والطاقة في روسيا ادى الى نمو التضخم في البلاد.
النمو المضطرد وخاصة في اسواق العمل والعقارات شهد ارتفاعات قياسية، الا ان السلطات استطاعت الى الان وعلى الدوام طيلة تلك الحقبة السيطرة على التضخم ونمو الاسعار من خلال السياسة التي اعتمدتها على الرغم من ان الاسعار في روسيا وفي موسكو بالذات هي الاغلى عالميا لكن الحكومة عمدت الى رفع الاجور وبشكل دوري.
وبالرغم من ان الاوضاع في البلاد هي تحت سيطرة السلطات فان الحكومة لم تتخل عن الاساليب الشعبوية وسارعت في كثير من الاحيان الى التدخل لحماية الصناعة الوطنية من خلال فرض الضرائب على الواردات الأجنبية، واعترفت الحكومة بانه ومن اجل محاربة التضخم يتعين اللجوء الى مكافحة اكثر جدية للفساد، وقد تخلت حكومات بوتين عن سياسة الاقتراض الخارجية التي كان الغرب يشجع روسيا عليها، وعلى العكس استطاعت تسديد ديونها وديون الاتحاد السوفياتي الكبيرة ولم يبق الا القليل منها (ما يقل عن 40 مليار دولار في حين انها وفي بداية عهد بوتين كانت تتجاوز عتبة الـ 130 مليار دولار ) ومع العلم ان الكثيرين يعزون السبب الى ارتفاع اسعار الطاقة وهذا الامر صحيح، الا ان روسيا استطاعت الاستفادة من تدفق الاموال ووظفت الكثير منها في الصناعات ووضع القسم الاكبر في صندوق الاحتياط الفدرالي الذي يتجاوز الـ 440 مليار دولار اميركي. كما ان الاستثمارات الاجنبية تدفقت على روسيا بشكل كبير جدا واعتبر السوق الروسي في الآونة الاخيرة من اكثر الاسواق الواعدة عالميا واقيمت صناعات ثقيلة وافتتحت مصانع جديدة لانتاج السيارات الاجنبية المتعددة من "نيسان" الى "فورد" الى غيرها الكثير على الاراضي الروسية، كما ان الحكومة عززت قوة الروبل الروسي والاهم انها حافظت على ثباته امام الدولار الاميركي وكان السلاح الامضى لمحاربة التضخم هو المحافظة على سعر الروبل، الذي استطاع بالفعل الثبات وكانت وتيرة نموه في السنتين الماضيتين 7 بالمئة. كما ان تأثير روسيا على اقتصاديات الجمهوريات السوفياتية ازداد بشكل كبير اضافة الى تأثيرها المتنامي على اقتصاديات الدول الاوروبية الغربية من خلال تقوية مواقعها في سوق الغاز فهي تعتبر المزود الرئيسي للدول الاوروبية بالغاز ابتداء من بولونيا مرورا بالمانيا وانتهاء بالنمسا. وليس اخر هذه المشاريع في قطاع الغاز التوقيع في 28 شباط /فبراير على اتفاقية بين موسكو وبودابست لجرّ الغاز الى المجر بمشروع تقدر قيمته بـ 10 مليار دولار وسيصل بذلك الغاز ضمن مشروع "السيل الجنوبي" الى قلب القارة القديمة وبهذه الطريقة تتجنب روسيا الاعتماد بشكل حصري على الانابيب المارة ضمن اراضي اوكرانيا. وتمكنت روسيا ان تحصل على شريك استراتيجي في وسط اوروبا وترسخ مواقعها كلاعب اساسي على
المضمار الدولي  .كما اصدر بوتين عدة مراسيم تحمي المواد الخام الروسية من المستثمرين الاجانب وكان هناك اتفاق ضمني بين لجنة الاستخبارات الخارجية الروسية "ف اس ب" والكرملين والحكومة على ابتكار قوانين تنظم عمل المستثمرين الاجانب في القطاعات الاستراتيجية. ومن المعروف ان حجم الاستثمارات الاجنبية في الاقتصاد الروسي بلغ 48 مليار دولار في العام 2007 وهو رقم قياسي وبزيادة 60 بالمائة عن العام الفائت. كل هذه الاعمال جعلت من عصر بوتين ناجحا في مقاييس عديدة وبالاخص على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد هزات عنيفة ارهقت المجتمع الروسي (البريسترويكا وفوضاها وصولا الى انهيار الاتحاد السوفياتي وعصر يلتسين المشبع بالازمات الاقتصادية والامنية والاجتماعية والسياسية والاجتماعية منذ بداية تسعينات القرن الماضي). لقد بدأ بوتين عهده بنجاح ويبدو انه استطاع ليس فقط وقف الانهيارات الاقتصادية بل وشكل رافعة للاقتصاد الداخلي للبلاد فانخفضت نسبة العاطلين عن العمل، ويبدو ان عصر ميدفيديف الخليفة المعلن للرئيس بوتين سيشهد تحولات كبيرة اضافية استكمالا لما كان قد بدأ به بوتين وستكون من مهام ديمتري ميدفيديف المستقبلية التي سنتحدث عنها باسهاب في مقالة اخرى متابعة شق الطريق الذي فتحه بوتين الذي سيكون فيها هذا الاخير الى جانبه، لا بل في قلبها بعد ان يتم نقل صلاحيات عديدة الى رئاسة الحكومة الروسية في تبادل للادوار بين ميدفيديف وبوتين.

عدد التعليقات: 2 تعليقات الزوار
المجد المسلوب
| المغرب | 2008/03/01 00:16:06 | حسن الربابي

لقداعاد رئيس روسيسا المجد اليها وسيواصل طريقه في المستقبل المشرق كما يظهر لبلاده.

رئيس حباب
| سوريا | 2008/03/13 00:45:16 | فريد

يستحق كل الخير لانه لم يهمل بلاده كما الرئيس الذي سبقه ذلك المخمور يلتسين بل عمل بما استطاع على اعلاء شأن وطنه، فشكرا صادقة له.

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: