حسام أبو جبارة - دبي:
تشرفت شجرة الزيتون بالذكر في سبعة مواضع من كتاب الله الكريم، ستة منها ذكرت بالاسم الصريح، وفي المرة السابعة أشير إليها بـ"وشجرة تخرج من طور سيناء"، كما ورد في سورة "المؤمنون"، وهي "لا شرقية ولا غربية" كما أشارت سورة "النور".
وفي التفسير دلالة واضحة على الموطن الأصلي لهذه الشجرة المباركة، فطور سيناء وما جاورها قريبة من البحر الأبيض المتوسط، وهي أيضاً في وسط العالم، لا شرقية ولا غربية، وهذا يتناسب تماماً مع ما تذكره المراجع التاريخية من أن فلسطين وسوريا ولبنان هي الموطن الأصلي لهذه الشجرة، ومنها انتشر إلى باقي دول حوض المتوسط، وخاصة تونس وإسبانيا واليونان وتركيا وإيطاليا.
وشجرة الزيتون متوسطة الإرتفاع (5-8 أمتار)، تنمو على الجبال، وتتكاثر بسهولة بالعقل والعقد والتطعيم، وتنتج ثماراً صغيرة بيضوية الشكل، شديدة المرارة، لونها أخضر مصفر أو بنفسجي، لها نواة واحدة شديدة الصلابة.
وشجرة الزيتون تتميز بدوام أوراقها طوال السنة وتحافظ على ذاتها نضرة منتجة، وهي تنمو ببطء ولكنها تعمر كثيراً، فقد يصل عمرها إلى 1000 سنة أو أكثر. تزهر في فصل الربيع وتأتي ثمارها بعد 15-20 سنة. وجذع شجرة الزيتون غليظ وصلب، وينمو مائلاً في كثير من الحالات، ويصل قطره إلى 2-3 أمتار.
أما محتويات ثمرة الزيتون الواحدة - في المتوسط - فهي: 67% ماء، و23% دهن، و5% بروتين، و1% أملاح معدنية، كما تحتوي على فيتامينات: أ، ب، ج، د، هـ. وقد وجد أن بذرة ثمرة الزيتون تحتوي على نسبة تتراوح من (10-35%) من الزيت، والجزء اللحمي من الثمرة يحتوي على (25-50%) من الزيت. وتختلف هذه النسب حسب نضج الثمرة، والمنطقة المزروعة فيها، ونوع الزيتون، والزيوت المستخلصة من الثمار الناضجة تعتبر أغناها بالفيتامينات.
ويرمز غصن الزيتون إلى السلام، لأن الحمامة حملته بمنقارها إلى سفينة نوح عليه السلام، إيذاناً بانحسار الماء وجفافه عن الأرض، وملاءمة العيش عليها. لذلك يحمل الفلسطينيون غصن الزيتون تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم التي تنبت الزيتون، ويعني ذلك أيضاً أنهم ينتظرون العودة إلى ديارهم بسلام، مهما طال الزمان أو قصر.
وفي دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة في أثينا ارتدى المشاركون طوقاً من أغصان الزيتون، تعبيراً عن محبتهم لبعضهم ودعوتهم إلى السلام بين شعوب العالم.

المعاصر.. موطن الزيت
يتم استخراج الزيت من ثمار الزيتون بواسطة المعصرة، ففي بدايات شهر تشرين الأول/أكتوبر من كل عام يبدأ المزارعون بجني الزيتون الناضج من على الأشجار يدويا للحصول على أعلى مستويات الجودة للمنتج، كما هو الحال في فلسطين وسوريا مثلاً، أو بواسطة آلات خاصة في المزارع الكبيرة.
يجمع الزيتون بعد ذلك على شكل أكوام متوسطة الحجم يتم تغطيتها ليلاً قبل أن تعبأ في أكياس خاصة ذات ثقوب للتهوية ليتم نقله إلى أقرب معصرة، على أن يتم ذلك خلال فترة لا تتجاوز 48 ساعة بعد الجني، ويتم عصر الزيتون في عدة أنواع من المعاصر منها الآلية أو النصف آلية أو التقليدية.
تبدأ عملية عصر الزيتون بخطوات تدريجية، حيث يُحضر المزارعون أكياس الزيتون إلى داخل المعصرة وينتظرون دورهم، ثم يتم سكب الزيتون في حوض مخصص ويرفع الحب على سحّاب إلى المغسلة.
وفي الطريق إلى المغسلة تقوم مروحة كبيرة بنفخ ما تبقى من ورق وشوائب بعيداً. ثم ينزل الحب إلى المغسلة حيث يخرج نظيفاً وينتقل إلى حوض آخر ومنه إلى الجاروشة (جهاز العصر الرئيسي) عبر لولب الحب، حيث يتم جرشه وطحنه. وبعد عملية الطحن، ينتقل إلى الخلاطات على شكل خليط ناعم به الزيت والماء الساخن وزيبار الزيت (سائل لزج).
تعمل الخلاطات على عجن الخليط ومزجه بالماء الساخن، حيث ينتقل المخلوط إلى التوربين الكهربائي لتتم عملية الفرز هناك، حيث يفصل الزيت عن الزيبار تحت درجة حرارة 40 مئوية، بعد ذلك ينتقل الزيت إلى حوض خاص ويتم فرزه جيدا بواسطة فرازة الزيت والتي تنتهي بصنبور عند نهاية خط الإنتاج حيث ينتظر المزارع، ويقوم بتعبئة زيت الزيتون نظيفا في جالونات أو صفائح حسب الرغبة، للإستهلاك المنزلي أو التسويق.
ومن الجدير ذكره هنا، بأن عملية عصر الزيتون تطورت تاريخياً، حيث كانت في البداية بطريقة اليد وتشمل الحجر الأسطواني أي بالدرس على صخر أملس وجمع الزيت في حوض يوضع فوقه الماء الساخن فيطفو الزيت على سطح الماء ثم يجمع في أوعية مصنوعة من الجلد، ثم تطورت العملية من اليد إلى ما يسمى بالبدّ، وذلك عن طريق استخدام عجل ضخم من الحجر يدار بواسطة الخيول، ثم تطورت العملية إلى البابور الذي يدار بالماء والسولار حيث تستخدم المكابس، فيوضع الزيتون فيما يسمى بالكفة الدائرية ويوضع بعدها على المكبس ويرتفع عن طريق ضغط الماء ويعصر ويؤخذ الزيت ويجمع في أوعية فخارية، ثم تقدم العلم وتوصل الناس إلى المعاصر نصف الأوتوماتيكية والتي تشبه عمل البابور إلا أنها تشغل بالكهرباء وتوجد بها الفرازات والمغسلة.
ومع التطور العلمي توفرت المعصرة الحديثة وهي آخر ما وصلنا إليه، والمعصرة الحديثة أسرع في العمل والإنتاج وأنظف من الناحية الصحية، وتوفر على المزارع الجهد والزمن كما تخضع للإشراف الصحي من قبل الجهات المعنية.
الزيت وأنواعه
يصنّف زيت الزيتون بناء على عدة خصائص:
- اللون: ويكون على درجات من الأخضر إلى الأصفر (الأخضر المصفر، الأصفر الذهبي، الأخضر الغامق أو الفاتح، وكذلك الأصفر).
- المظهر: حيث يكون اللون براقاً أو عاتماً.
- الشفافية: حيث يكون شفافاً أو لبنياً.
- القوام: كثيف بدرجات حتى السيولة.
- الرائحة: عطرية مميزة أو معدومة أو روائح غريبة.
- الطعم: ويكون إما ذو نكهة مميزة، أو دسم.
- فترة التخزين: زيت جديد (الموسم الحالي)، زيت قديم (الموسم السابق)، زيت قديم جداً (المواسم الأقدم).
أما التصنيف المتداول في التجارة الدولية فهو التصنيف المعتمد والصادر عن "المجلس الدولي لزيت الزيتون"، ويكون إما الزيت الناتج من عصير ثمار الزيتون الطازجة، أو الزيت الناتج من بقايا عصر ثمار الزيتون (زيت عرجون الزيتون).
ويندرج تحت الصنف الأول (الزيت المستخرج من ثمار الزيتون) ثلاثة أنواع رئيسية:
- أولاً: زيت الزيتون البكر: وهو مستخلص مباشرة وبشكل كامل من ثمار الزيتون الطازجة بطرق ميكانيكية وفيزيائية بسيطة دون أية معاملات حرارية أو كيماوية، وهو صالح للاستهلاك المباشر، ويندرج تحته الأنواع التالية:
- زيت زيتون بكر ممتاز (اكسترا): وهو زيت زيتون بكر له رائحة وطعم جيدين وحموضته لا تتعدى 1%.
- زيت زيتون بكر جيد: وهو زيت زيتون بكر بنفس المواصفات السابقة ولكن حموضته كحد أعلى 1.5%.
- زيت زيتون بكر شبه جيد (عادي): بنفس المواصفات السابقة ولكن حموضته تصل إلى 3%.
- زيت زيتون بكر لامبانتي (زيت المصباح): غير صالح للاستهلاك المباشر بسبب عيوب في الطعم أو الرائحة أو ارتفاع درجة الحموضة أكثر من 3.3%، ويخضع لعمليات التكرير أو للإستعمال الصناعي.
- ثانياً: زيت الزيتون المكرر: وهو الزيت الناتج من تكرير زيت الزيتون البكر، بطرق التكرير التي لا تؤثر على تركيبه الكيماوي الطبيعي.
- ثالثاً: زيت الزيتون النقي: وهو الزيت الناتج من مزيج من زيت الزيتون المكرر، مع زيت الزيتون البكر وهو صالح للاستهلاك البشري.
أما الصنف الثاني (زيت عرجون الزيتون) فهو ينتج عن معاملة تفل الزيتون (بقايا عصير ثمار الزيتون) بالمذيبات العضوية (هكسان بنزين) مع التكرير والتنقية اللازمة، وويندرج تحته الأنواع التالية:
- زيت تفل الزيتون الخام (النيء): وهو زيت تفل الزيتون المخصص للتكرير بغية تجهيزه ليكون صالحاً للاستعمال البشري أو الصناعي.
- زيت تفل الزيتون المكرر: وهو الزيت المستخلص من زيت تفل الزيتون الخام بعمليات التكرير بشكل لا يؤثر على تركيبته الأصلية من الأحماض الدهنية، وهو مخصص للاستهلاك البشري كما هو أو بمزجه مع زيت الزيتون البكر.
- زيت تفل الزيتون: وهو مزيج من زيت تفل الزيتون المكرر مع زيت الزيتون البكر وهو صالح للاستهلاك البشري.

منافع طبية وتجميلية
لزيت الزيتون فوائد صحية لا يمكن حصرها، فكل يوم تثبت الأبحاث الطبية منافع جديدة له، ومن ذلك:
- يقوّي الذاكرة: "يمكن لقطرات من زيت الزيتون تتناولها يوميا، أن تقيك فقدان الذاكرة وتبقي على أداء دماغك لوظائفه بشكل فعّال عند بلوغك سن الشيخوخة".. هذا ما أثبته فريق علمي من جامعة "باري" الإيطالية برئاسة الدكتور أنطونيو كابورسو، بعد أبحاث شملت 300 شخص تراوحت أعمارهم بين 65 و84 عاماً.
- يخفّض ضغط الدم: أجرى الدكتور ويليامز من جامعة "ستانفورد" الأمريكية دراسة على 76 شخصاً غير مصابين بأية أمراض قلبية لمعرفة تأثير زيت الزيتون على ضغط الدم، فوجد أن ضغط الدم قد انخفض بشكل واضح عند الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي، وكان انخفاض ضغط الدم أكثر وضوحاً عند الذين تناولوا 40 غراماً من زيت الزيتون يومياً.
- يحد من ارتفاع الكولسترول: ارتبط زيت الزيتون بالحد من الإصابة بارتفاع الكولسترول، حيث لوحظ أن الشعوب التي تستهلك كميات جيدة منه، تتميز بانخفاض نسبة الكولسترول السيء (الضار) أو ما يعرف بـ"LDL" في الدم، وبالتالي يحد ذلك من تصلب الشرايين المرتبط بأمراض القلب والجلطة.
- يقلل من الإصابة بالسرطان: يحتوي زيت الزيتون على نسبة جيدة من فيتامين هـ، والذي يعرف بـ"مضاد الأكسدة"، وبالتالي يقوم بتغليف وربط المواد المؤكسدة وتخليص الجسم منها، وهذا ما يجعله يقلل بشكل ملحوظ من نسبة الإصابة بالسرطان، وخاصة سرطان المعدة والثدي والجلد.
- يزيد من قوة الكبد: ورد في كتاب "8 أسابيع للوصول إلى الصحة المناسبة" للمؤلف أندرو ويل، أنه يجب استبدال كل أنواع الدهون التي يتناولها الإنسان، وخاصة بعد سن الأربعين بزيت الزيتون، وأضاف: "يذيب زيت الزيتون الدهون ويساعد في تقوية الكبد ويزيد نشاطه، ويساعد في علاج الكبد الدهني، كما أنه يُحسّن من وظائف الكبد، ويزيد من قدرته على إزالة السمّية من الجسم".
- يعالج قرحة المعدة: أظهر بحث أجراه الدكتور سموت من جامعة "هاوارد" الأمريكية، أن الزيوت غير المشبعة مثل زيت الزيتون وزيت دوار الشمس وزيت السمك، يمكن أن تمنع نمو جرثومة تدعى "Helicobacter Pylori" في المعدة، وهي المسؤولة عن العديد من حالات القرحة المعدية وعدد من حالات سرطان المعدة.
- مفيد جدا للرضع: في دراسة حديثة أجرتها جامعة "برشلونة الإسبانية، على 40 مرضعاً، أخذت منهن عينات من حليب الثدي، وجد الباحثون أن معظم الدهون الموجودة في حليب الثدي كانت من نوع "الدهون اللامشبعة الوحيدة"، التي تعتبر من أفضل الدهون التي ينبغي أن يتناولها الإنسان، وهو النوع الذي يشتهر به زيت الزيتون.
وإضافة إلى هذه الفوائد الطبية، فإن لزيت الزيتون استعمالات تجميلية، فهو ملطف للجلد في حالات الاحتكاك خاصة عند الأطفال، ويستعمل للحفاظ على الجسم من أشعة الشمس، ويمكن أن يمنع تساقط الشعر بدلك فروة الرأس مساءً لمدة عشرة أيام مع تغطيتها ليلاً ثم تغسل صباحاً بالشامبو، ويحافظ على جمال البشرة بتغطية الوجه والرقبة بمزيج قوامه نصف معلقة صغيرة من الزيت وصفار بيضة ويوضع نقاط من عصير الليمون ثم يزال هذه القناع بعد 20 دقيقة بماء فاتر، كما ينفع في ترطيب الشعر الجاف، وذلك بغمس قطعة قطن في الزيت ووضعها على شعر الرأس ومن ثم تدلك فروة الرأس بالأصابع ثم توضع فوطة مبللة بماء دافئ (بعد عصرها) على الرأس مع استبدالها كلما بردت، وتبقى لمدة 20-60 دقيقة.

الزيتون في التراث
لشجرة الزيتون مكانة خاصة في تراث الشعوب، ولعل الشعب الفلسطيني هو خير مثال على ذلك، فهي جزء من القوت اليومي الغذائي والنضالي لهذا الشعب، وهي أحد رموزه في الصمود والسلام، فالشعب الفلسطيني يبقى صامداً في أرضه ما دامت شجرة الزيتون قوية خضراء اللون وصامدة في الأرض عن طريق المحافظة عليها والإهتمام بها، فلا بد من المحافظة على الأرض والدفاع عنها والصمود عليها كما تصمد هذه الشجرة المباركة عالية شامخة.
وفي التراث الفلسطيني أقوال وأمثال قيلت في الزيتون وزيته، منها: "كل زيت بتناطح الحيط"، و"القمح والزيت سبعين (أسدين) بالبيت"، و"الزيت نور على نور"، و"اللي عنده زيت بعمّر البيت"، وفي موسم قطف الزيتون تتجلى فكرة "العونة"، بحيث يتطوع طلاب المدارس والجامعات والأهالي لمساعدة المزارعين، وغالباً يصاحب ذلك أهزوجة شعبية تقول:
على دلعونـة وعلى دلعونـة
زيتون بلادي أجمل ما يكونا
زيتون بلادي واللوز الأخضر والميرامية ولا تنسى الزعتر
وقراص العجـة لما تتحمـر ما أطيب طعمها بزيت الزيتونا
خبز ملتوت وجبنـة طريـة أكلـة تدفينـا بالشتويــــة
وصحون السحلب والهيطليـة خلتنـا ننسـى بـردك كانونـا
يا ربي تشتي ونلبس طاقيـة ونلبس كبود ونحمل شمسيــة
ونغني سوى يا فلسطينيــة دايم في بلادي خبز الطابونــا
ويستفيد الفلسطينيون من كل شيء في ثمار الزيتون، فهم لا يكتفون بالحصول على الزيت أو صناعة المخللات منه، وإنما يستخدمون المخلفات الصلبة للزيتون (الجفت) في التدفئة، أو كسماد للأشجار، أو أعلاف للحيوانات، أما الزيت القديم وغير النظيف فيصنع منه الصابون، ويستفاد من أخشاب أشجار الزيتون في عمل التحف، التي تُنقش عليها الآيات القرآنية والنصوص المأثورة.