الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
مترو موسكو: متاحف غائرة في الارض

يوري اندرييف – موسكو: يقولون عند العامة في موسكو بانه ولكي تتعرف الى موسكو وتقول انك رأيتها فعلا، عليك ان تتذوق بعضاً من الأشياء التقليدية فيها، وان تشارك في نشاطات اخرى معينة، وان تزور بعض الاماكن وحينها فقط يمكنك ان تقول انك شاهدت العاصمة الروسية بحدها الادنى. من هذه الاماكن التي يتعين ان تزورها في موسكو مترو الانفاق بالطبع.
هذا المترو لا يشبه باقي انفاق المترو في العالم، بل هو في موسكو يرمز الى الكثير ويعني الكثير لسكانها ولكل المواطنين الروس، فجمال محطاته وادراجه الكهربائية الاخاذة وروعة البناء المعماري والوان المتعددة للرخام الذي يزين كل بقعة فيه، عدا عن الثريات المعلقة والفوانيس والاضواء، تجعل منه بحق متاحف مزروعة تحت الارض تتألق كل واحدة عن الاخرى وتزداد روعة.

                     

حكاية تأسيسه

تاريخ تأسيس مترو انفاق موسكو يعود لبداية القرن العشرين عندما وضع المهندس انطونوفيتش اول مشروع لبناء المترو في موسكو في العام 1901  ، وهو اقترح حينها بناء مترو انفاق دائري في محيط المدينة مع خمسة خطوط متفرعة تتجه كلها الى الوسط، وبعده عمل مهندسون اخرون على دراسة خطوط الانفاق الى ان ظهر في العام 1902 مشروعان لبناء انفاق موسكو وضعهما المهندسان بالينسكي وكنوري لمترو على امتداد 105 كيلومترات، هذا المشروع الجريء حينها تم بحثه في دوما الدولة (البرلمان)، الا ان الترجمة على ارض الواقع حالت دونها عقبات كثيرة، حيث عارض هذه الفكرة في العهد القيصري الكثير من التجار واصحاب مؤسسات ومحطات الخيل واصحاب امتياز تسيير التراموي في موسكو، الا ان السبب الرئيسي كان عدم توفر اموال لبنائه وقلة الخبرة في شقّ الانفاق، وفي العام 1903 تم رفض المشروع ايضا الذي قدمه عدد اخر من المهندسين واشهرهم تروبنيكوف، وعاد الحديث في العام 1912 عن المشروع وتم بحثه على اعلى المستويات وذلك ضمن خطة محددة لبناء ثلاثة خطوط، الا ان الحرب العالمية الاولى القت باوزارها وحالت دون المباشرة في هذا المشروع الضخم. وفي العام 1918 وبعد استلام البلاشفة للحكم بوشر العمل والتخطيط على اعادة بناء موسكو، واعدت مجموعة من المهندسين تحت قيادة نيكولاي في اعوام 1925 – 1930 خطة لبناء مترو موسكو.
في العام 1931 بوشر بتنفيذ هذه الخطة وتم اعداد الاختصاصيين لهذا العمل وبدأت الدعاية السوفياتية بالترويج المنظم لهذا المشروع، وتم تجنيد الكثير من الشباب وعمال المناجم من الدونباس وشارك في الاعمال اكثر من 500 مؤسسة وشركة واستخدمت تقنيات جديدة لبناء الأدراج الإلكترونية ومحطات القطارات ومولدات ادخال الهواء وتنقيته وسكك الحديد والاخشاب وحجارة المرمر والغرانيت التي استخدمت للتجميل والفولاذ وغيرها من المعادن ،وشارك في بناء مترو موسكو كل البلاد السوفياتية، الى ان ظهر النفق الاول للمترو في العام 1931 في حي روساكوفسكوي.
العوائق الطبيعية تحت الارض اعاقت اعمال البناء الذي تعقد بعض الوقت، الا انه استؤنف برغم كل المصاعب وخرجت القطارات الاولى للتجربة في 15 تشرين الاول العام 1934 وفي15 ايار العام 1935 عند الساعة 7 صباحا فتحت 13 محطة مترو ابوابها على الخط الاول لمترو الانفاق في موسكو امام الركاب .
بلغ امتداد اول خط 11،6 كيلومتر ومنذ ذلك الحين والمترو يتربع على قمة اعمال البناء السوفياتي الذي شاء قادة البلاد ان يحولوه الى متحف تحت الارض، ولم يتوقف العمل منذ ذلك الحين على بناء خطوط اضافية وحتى في زمن الحرب العالمية الثانية العصيب عندما بدأ العمل على الخط الثالث للمترو وبوشر العمل على الخط الدائري.
ابتداء من العام 1950 راح العمل على تطوير المترو يتخذ المنحى الراديكالي وتم افتتاح خطوط جديدة وحملت اعوام الستينات معها ثورة هائلة في عملية بناء مترو موسكو وتطويره.

                     

اهمية مترو موسكو

يبلع طول خطوط مترو موسكو 260 كيلومتر تضم 540 درجا كهربائيا بطول 55 كيلومترا. ومترو موسكو هو الرابع في العالم من حيث طول خطوطه بعد مترو نيويورك ولندن وباريس الا انه ومن حيث كثافة مستخدميه وحجم نقله هو الاول في العالم ويقوم بمهمة نقل نصف مستخدمي المواصلات في مدينة موسكو، وينقل حوالي 10 ملايين شخص يوميا، وتصل سرعة القطارات في داخله الى 100 كلم في الساعة.
لا يوجد في العالم مثيل لمترو موسكو من حيث جمال بنائه وفرادته، وقد شارك في تجميله افضل مهندسي موسكو والاتحاد السوفياتي والبلاد. وهو مرّ بثلاثة مراحل اساسية الاولى (1935 – 1955) مرحلة التأسيس والمرحلة الثانية (1955 – 1970) وهي ترافقت مع نهضة بناء كبيرة في البلاد وخاصة على اطراف ومحيط موسكو، وكان من الطبيعي والمنطقي ان يجري توسيع المترو الى مناطق الضواحي الموسكوبية لكي ينعم السكان هناك بوسيلة نقل سريعة وآمنة ورخيصة، وبالرغم من ان بعض محطات وخطوط المترو تقع على مسافة عميقة تحت الارض فان بعضها الاخر يقع على وجه البسيطة.
المرحلة الثالثة بوشر بها في نهاية الستينات من القرن الماضي، جرى فيها العمل على زيادة وتطوير وتوسيع المترو وايصاله الى ابعد مسافات عمرانية ممكنة مع القيام باعمال تجميلية هائلة داخل المحطات، حيث اقيمت في مداخلها التماثيل الرائعة والساحات التي يقف في نواحيها الباعة وعلى جوانبها تنتشر اكشاك واسواق التجارة المتعددة.

                  

مترو موسكو والحرب العالمية الثانية

الحديث عن الحرب العالمية الثانية له صفحة خاصة ومشرقة في تاريخ مترو موسكو، فمع نهاية العام 1941 تحولت كل انفاق ومحطات مترو انفاق موسكو الى ملاجىء تحمي سكان موسكو والضواحي من خطر الصواريخ والقذائف التي القاها النازيون آبان الحرب، كما ان عربات قطارات المترو تحولت الى مصحات ومستشفيات متنقلة، وفي امكنة معينة في داخل المترو كان العمل يجري ليل نهار على إنتاج الاسلحة والذخائر لجبهات الحرب وتحولت بعض مواقف القطارات تحت الارض الى نقاط لإصلاح الدبابات والعتاد وما الى ذلك، كما ان بعض محطات المترو حوّلت الى مراكز لمؤسسات حكومية مدنية وعسكرية، فعلى سبيل المثال فان محطة "تشيستي برود" والتي لم تكن القطارات تتوقف عندها كانت مقر عقدة اتصالات اركان القيادة العليا للجيوش السوفياتية.

                   

خطط المستقبل

حاليا تعكف الحكومة الروسية وسلطات المدينة على دراسة كل السبل لتطوير مترو موسكو كجزء لا يتجزا من الحياة العامة للمدينة. وقد اقرت خطة تطويره وتحسين خدماته حتى العام 2010 ويجري العمل الآن على دراسة بناء خطوط جديدة وتم مؤخرا (منذ اقل من شهر) تدشين محطة جديدة، ولا تمر فترة الا وتشهد الاعمال في داخل مترو موسكو تطورا جديدا ويجري تمديد خطوط المترو غربا وشرقا جنوبا وشمالا لكي يضم هذا المترو كل انحاء موسكو ويؤمن لسكانها التنقل السهل غير المكلف، كما يعكف مهندسو المترو على دراسة العمل على تمديد خطوطه حتى الى مطارات المدينة البعيدة نسبيا عن الوسط كمطار فنوكوفو والمنطقة الادارية التابعة لموسكو ويخطط لايصال طول خطوط المترو الى 420 كيلومتر لتتمكن خطوط مترو انفاق موسكو في القريب العاجل من نقل ما يقدر بـ 4،5 مليار شخص سنويا.

عدد التعليقات: 3 تعليقات الزوار
المترو اهم سيلة نقل
| العراق | 2008/02/23 21:38:03 | عمر السائب

اذا امكن الحديث عن امكانية بناء محطات مترو في الدول العربية. وشكرا

مترو موسكو
| اليمن | 2008/02/25 11:07:22 | خالد النعمان

المترو في الاتحاد السوفياتي كان يعتبر اساس وركيزة ومفخرة ولا بد من الحديث طويلا عن هذا الموضوع لكي نفيه حقه ونستطيع ان نؤسس في بلادنا وخاصة في الجزيرة العربية لمثل هذه الانجازات وخاصة ومع توفر اموال كثيرة من دولارات النفط.

يا سلام
| لبنان | 2008/02/26 11:43:50 | fati

زرق الله عليكِ يا موسكو و يا لينينغراد و يا اتحاد السوفياتي شي بياخد القعل.

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: