بيروت - محمد مزهر: بعد الارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات في لبنان وبالتالي ارتفاع تعريفة وسائل النقل، بالإضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية، يعيش اللبنانيون اليوم الخميس معاناة جديدة بعد القرار الذي اتخذه اتحاد المخابز والأفران والمتمثّل برفع سعر ربطة الخبز من 1500 إلى 2000 ليرة لبنانية، ما خلق بلبلة لدى المواطنين لما تمثّله هذه المادة الحيوية من أهمية لديهم، ما أدى إلى حصول تجاذب قوي وحاد بين وزارة الاقتصاد من ناحية واتحاد نقابات المخازن والأفران من ناحية أخرى.
القرار الخطير الذي اتخذه الاتحاد استدعى تدخلا سريعا من قبل وزير الاقتصاد سامي حداد لتفادي أزمة ومعاناة جديدة لدى المواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء الجنوني، لمعالجة مسألة تسليم الطحين إلى الأفران، خصوصا مع الحديث عن قرب نفاد كميات الطحين المخصص للخبز العربي المدعوم، مع امتناع المطاحن عن تقديم "سلفه" طحين للأفران عن الشهر المقبل، كما جرت العادة في الأيام الأخيرة من كل شهر، بحجة عدم قدرتها على ذلك، بعد اعتماد الآلية الجديدة لتوزيع القمح عبر مزايدة فازت فيها 3 مطاحن، من أصل 13 مطحنة عاملة في لبنان. وفي هذا الإطار نفى وزير الاقتصاد سامي حداد وجود أزمة رغيف، لافتاً إلى أنّ "الرغيف موجود وسعره لن يتغير".
الوزير يناشد
وناشد الوزير حداد الأفران عدم استغلال هذه الظروف لزيادة الأسعار "لأنّ حماية المستهلك كرّست كل وقتها لهذا الموضوع"، مؤكداً أنّ "سعر الخبز لن يرتفع".

ولفت حداد إلى أنّ "كلفة إنتاج الرغيف ارتفعت نتيجة ارتفاع سعر المازوت ونحن سنضطر إلى زيادة الدعم، ولكن سنزيد الدعم بشكل معقول، ولن يتغيّر لا الوزن ولا السعر، حتى نحافظ على سعر ربطة الخبز على ما هو عليه".
بدوره وتعليقاً على رفع سعر ربطة الخبز، أكد رئيس الاتحاد "العمالي العام" غسان غصن ل "الخيمة" إلى أنّ هذا الارتفاع يزيد في إفقار محدودي الدخل، مشيراً إلى "أنّ ذلك يأتي ضمن سياسة اليد المرفوعة التي تنتهجها الحكومة، وبالتالي يؤكد لا مسؤولية السلطة التنفيذية عن الاهتمام بقضايا الناس ووجعهم ومشاكلهم".
غصن وصف هذا القرار بغير القانوني، داعياً إلى مواجهته بإجراءات قانونية صارمة "وقد اتصلت لهذا الغرض بوزير الاقتصاد سامي حدّاد وأبلغته بأنّ تحرير محاضر الضبط بالأفران التي رفعت الأسعار لا تكفي، إذ أنها ستتوجه إلى النيابة العامة للاعتراض، ثم يتم تخفيف الغرامة".
وشدد على أن الإجراء الأمثل هو رفع دعم سعر طن الطحين عن كل فرن مخالف أي "لا طحين مدعوم لأفران تخالف التعريفة"، موضحاً أنّ هذا الإجراء مهم وأولي وتمنى على وزير الاقتصاد السير فيه فعلياً.
واعتبر غصن أن "معالجة الغلاء مسألة كبيرة وأساسية، خصوصاً أنّ ذلك يتحمله بوجه خاص محدودو الدخل والفقراء والعمال الذين يدفعون ثمن الغلاء وليس أصحاب الأفران". وأكد غصن أنّ ارتفاع سعر ربطة الخبز "يستدعي الاجتماع الفوري وتشكيل لجنة تضم الاتحاد العمالي العام والأفران والقطاعات الأخرى، لطرح آلية معالجة شاملة". وأشار "اليوم الأفران رفعت الأسعار, والمستشفيات تهدد بخطوة مماثلة, ولا ندري من سيطل على الناس ليتكلّم بالموضوع نفسه".
إبراهيم: لن نتراجع عن السعر الجديد
وفي اتصال ل "الخيمة" مع رئيس اتحاد نقابات المخابز والأفران كاظم إبراهيم أشار إلى أنّ "الاجتماع الذي تم مع الوزير سامي حداد تناول سبل توفير القمح المدعوم للأفران عبر "سلف" طحين عن الشهر المقبل، لتفادي أزمة رغيف مرتقبة في الأيام القليلة الماضية، في حال لم تتم معالجة قضية التوزيع".

وانتقد النقيب إبراهيم الآلية الجديدة للتوزيع والمزايدة على القمح، حيث اعتبر أنّ "الخطأ الذي ارتكبته وزارة الاقتصاد هو إقرار توزيع القمح على أصحاب المطاحن ليسلموا الطحين إلى الأفران"، مشيرا إلى أنّ "نتائج ذلك على صعيد تراجع جودة الرغيف من جهة، وصعوبة توزيع الطحين من الناحية اللوجستية انطلاقا من 3 مطاحن فقط، واحدة في الشمال، واثنتان في بيروت. هذه العوامل دفعت بنا إلى رفع سعر ربطة الخبز من 1500 ليرة إلى 2000 ليرة، لكننا لم نتخذ هذا القرار إلا بعدما وصلت المفاوضات مع الوزير سامي حداد إلى طريق مسدود. صحيح أنّ القرار جاء صعبا لا سيّما في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها المواطن اللبناني، لكن في المقابل فإنّ كافة المواد المطلوبة لتصنيع الرغيف ارتفعت بشكل كبير، وهذا كان له أثرا سلبيا علينا".
المواطنون ومعاناة لا تنتهي
جاء رفع سعر ربطة الخبز من 1500 إلى 2000 ليزيد من وطأة المعاناة على المواطن اللبناني الذي ما إن ينتهي من مشكلة حتى تلاحقه لعنة مشكلة أخرى، لا سيّما مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الحيوية على اختلاف أنواعها. "الخيمة" سألت المواطنين عن تأثير ارتفاع سعر ربطة الخبز عليهم لا سيّما في الوقت الراهن، فتراوحت الإجابات بين مؤيّد مع بعض التحفظات، وبين معارض لما للقرار من أثر سلبي على كاهل الموطنين، وفي هذا الإطار يعتبر حمزة شرّي (صاحب محل لتصليح السيارات) أنّ "رفع سعر ربطة الخبز أمر مقبول من قبل إتحاد المخابز والأفران، وبالتالي على الدولة تحمّل كامل مسؤولياتها لا سيّما في ظل استمرار الارتفاع في كافة المواد الحيوية التي يحتاجها المواطن اللبناني.. رفع سعر ربطة الخبز إلى 2000 ليرة ليس وحده العائق أمام المواطن الفقير، إذ أنّ المشكلة تكمن في استمرار ارتفاع أسعار المحروقات وزيادة تعريفة وسائل النقل، من هنا لا بد من معالجة شاملة لكافة الأمور كي لا يضطر المواطن فيما بعد للنزول إلى الشارع والتظاهر من أجل لقمة العيش".
من ناحيته رياض صفوان (صاحب محل تحف وثريات) يحمّل مسؤولية الارتفاع المستمر في كافة الأصناف الحيوية للمواطن إلى من هم في الحكم، واعتبر أنّ "السياسات الاقتصادية الخاطئة التي ارتكبتها الحكومات السابقة أدّت إلى هذه الأزمة الحقيقية التي يتحمّل المواطن اللبناني وحده عواقبها الوخيمة.. المواطن اللبناني يعيش وضعاً غير طبيعي حيث أنّ نسبة الفقراء تزداد وتتوسّع في ظل غياب أي دور حقيقي للدولة، من هنا المطلوب تغيير الطبقة الحالية الحاكمة والإتيان بطاقم جديد يستطيع انتشال لبنان والمواطن اللبناني من محنته.. ارتفاع سعر ربطة الخبز سيزيد من معاناة المواطن اللبناني، لكن في المقابل فإنّ من خلق هذه الأزمة الاقتصادية عليه أن يتحمّل تبعة أفعاله، وأقصد هنا حكومة السنيورة".
مسؤولية الساسة
المواطن جهاد فرحات (صاحب محل أحذية) تعتصره الحرقة والألم من وصول أحوال المواطن اللبناني إلى هذه المرحلة، وأكّد لدى سؤاله عن تأثير ارتفاع سعر ربطة الخبز إلى 2000 ليرة أنّ "المسئول عن هذا الواقع جميع الساسة اللبنانيين دون استثناء، لكن المؤسف أنّ شرائح كبيرة من اللبنانيين موافقة على هذا الأمر لأنّ الغرائز الطائفية والمذهبية تتحكّم بأفعالها. نحن شعب يتبع بشكل أعمى الزعماء في حين أنّ المطلوب من المواطن الاهتمام بلقمة عيشه التي لا يتحصّل عليها إلا بشق الأنفس، من هنا المطلوب من المواطنين التظاهر من أجل لقمة العيش وليس دفاعا عن أي زعيم سياسي الذي لا يكترث سوى لمصالحه الشخصية".
"يلّي عنده عيلة كان يشتري ربطة الخبز بصعوبة لمّا كانت الربطة ب 1500 فكيف اليوم بعد ما ارتفعت الربطة لا 2000 ليرة"، بهذه الكلمات التي تنم عن حرقة ومرارة بدأ المواطن حسن جابر (صاحب محل عصير) حديثه عن تداعيات ارتفاع سعر ربطة الخبز، ولفت إلى أنّ "القدرة الشرائية لدى المواطن تراجعت بسبب الارتفاع الكبير في كل الأصناف الغذائية عوضا عن ارتفاع أسعار المحروقات، وبالتالي فإنّ قرار رفع سعر ربطة الخبز قرار غير منطقي، من هنا المطلوب من الدولة تحمّل مسؤولياتها وفرض رقابة صارمة على الأسعار كي لا يتحكّم التجار برقاب المواطن الفقير".
عواقب خطيرة
ويعتبر داني حرفوش (صاحب محل سكاكر) أنّ "رفع سعر ربطة الخبز إلى 2000 ليرة جاء ليزيد في الطين بله عند المواطن اللبناني. كل شيء في ارتفاع مستمر وهذا له أثار خطيرة خصوصا لناحية القدرة الشرائية التي تراجعت بشكل كبير في الآونة الأخيرة.. المواطن اللبناني اليوم يتصرّف على أساس أنّ كل الأمور تسير على ما يرام ويسير بطريقة عمياء وراء هذا الزعيم أو ذاك، في حين المطلوب منه التحرّك والدفاع عن لقمة عيشه التي لا يؤمنها له أي طرف سياسي سواء في المعارضة أو في الموالاة".

واصف حلو (صاحب محل مواد غذائية) يلفت إلى أنّ "تأثير ارتفاع سعر ربطة الخبز بسيط بالمقارنة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وما إلى هنالك. التأثير الكبير يتأتى من ارتفاع سعر صفيحة المازوت إضافة إلى ارتفاع أسعار الحبوب مثل الأرز والعدس وخلافه، فمثلا سعر كيلو الأرز ارتفع من 750 ليرة إلى 3500 ليرة في وقت قصير جدّا، وهذا له أثار سلبية خصوصا وأنّ الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 350 ألف ليرة. انطلاقا من ذلك لا بد من تغيير الطاقم السياسي الحالي والإتيان بعناصر جديدة تعمل من أجل التغيير ما يساهم في تحسين سبل عيش المواطن اللبناني".