الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
هنا غزة.. هنا الفقر والجوع والحرمان

مؤمن الشرافي – غزة: هنا غزة.. هنا الفقر الذي تفوح رائحته في شوارع وأزقة الشريط الساحلي الذي يزدحم بأكثر من مليون ونصف نسمة يئنون تحت وطأة فقر مدقع شل كافة مناحي الحياة الإنسانية، هنا سوق الملابس المستعملة الذي أصبح وجهة الغزاويين لاستقبال عيد الأضحى، هنا غزة حيث مقابر الموتى التي تحولت إلى ملاجئ للفارين من جحيم الوضع الاقتصادي المتردي، هنا غزة حيث الخلافات السياسية التي غيّبت الشعب المطحون عن أذهان القادة الذين لا هم لهم سوى الردح على شاشات التلفزة والصور والمانشيتات العريضة على الصفحات الأولى للجرائد المحلية والدولية، بينما شبح الجوع والحرمان يطارد الأطفال في نومهم مع غروب شمس كل يوم.
عندما تسير في شارع عمر المختار أحد أكبر الشوارع التجارية في قطاع غزة، تجد المحال التجارية التي زينها أصحابها لاستقبال موسم عيد الأضحى خاوية على عروشها إلا من بعض الزبائن القلائل الذين يوجدون بداخلها، فبخلاف ما كانت عليه الأمور في الأعوام الماضية، كان هذا الشارع التجاري يعج بحركة الزبائن الذين كانوا يتدافعون لشراء الملابس وحاجيات الأعياد والمناسبات السنوية، فعدد قليل من النساء يصطحبن أطفالهن كانوا يقومون باختيار ملابس العيد والبقية الباقية تتوجه على سوق فراس الشعبي حيث الملابس المستعملة الأقل سعراً من ملابس المحال التجارية المستوردة، ورغم ذلك يشتكي الغزاويون من ارتفاع الأسعار الذي طال هذه المرة حتى الملابس المستعملة، يقول حمودة البحطيطي صاحب مجمع تجاري للملابس في غزة "إن واحداً من أصل كل عشرة يدخلون المجمع يقوم بشراء ما يحتاجه من الملابس، والبقية يتوجهون إلى السوق الشعبي لشراء ملابس تناسب قدراتهم المالية هذا إن وجدت القدرة المالية لشراء ملابس لدى سكان قطاع غزة بفعل الحصار الخانق وتفشي البطالة وإغلاق المعابر".

                       

وحسب تقرير صدر عن الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، فقد سجلت الأسعار بقطاع غزة الشهر الماضي رقماً قياسياً، إذ بلغت نسبة الارتفاع في الأسعار 4.19%، وتشير معطيات التقرير إلى أن 57% من الأسر الفلسطينية يقل دخلها الشهري عن خط الفقر الوطني، في حين تبلغ نسبة الأسر التي يقل دخلها عن خط الفقر الشديد حوالي 44%.
وتحذر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" من أن السكان في غزة سيعتمدون على المساعدات الدولية بشكل كامل إذا استمر فرض الحصار المشدد على القطاع لأشهر قليلة قادمة، حيث تقدم الأونروا حتى اللحظة مساعداتها الإنسانية لأكثر من 860 ألف مواطن في غزة.
صعوبة الأوضاع الاقتصادية دفعت ربات البيوت في غزة إلى استعمال الحطب تحت الصاج و"فرن الطينة" الذي يعتمد هو الآخر على الحطب بدلا من الغاز لطهي وجبات منازلهن، فقد قررت الحاجة أم العبد التي تقطن في أحد الأحياء الشعبية بمدينة غزة العودة إلى الحطب لطهي المأكولات نتيجة الفقر الذي خيَم على أسرتها وأبنائها المتزوجين الذين يزاحمون بعضهم في منزل لا يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وتقول الحاجة أم لعبد وهي تجلس أمام فرن الطين الذي أعاد بذاكرتها إلى أمها التي كانت تستخدمه قبل عشرات السنين في القرية التي هجروا منها عام 48 "جميع أبنائي كانوا يعملون في مصانع للخياطة والباطون ولكن بعد سيطرة حماس على غزة وفرض الحصار وإغلاق المعابر أغلقت هذه المصانع وقطع مصدر لقمة عيشنا جميعاً ونعتمد حالياً على المعونات والمساعدات التموينية المقدمة من وكالة الغوث، وكل شي في البلد ارتفع سعره حتى الغاز ما بنقدر نعبي اسطوانة لحتى نطبخ وبخبر للبيت، وهاد إلي خلانا نستخدم الحطب وفرن الطينة للطبيخ والخبيز لحتى نوفر على حالنا في ظل الظروف الصعبة إلى بنمر فيها، وربنا بيساعدنا".

                     

وفي المقابل تلقت "الخيمة" معلومات عن نزوح عائلات فلسطينية في غزة على المقابر حيث يرقد "الموتى" لعدم قدرتهم على سداد أجور منازلهم بسبب فقدان معيل البيت لمصدر رزقه، فكانت الهجرة الفلسطينية الجديدة نحو المقابر الذي سيتحوّل على مخيم لجوء إذا استمر الوضع على حاله في قطاع غزة لأنه سينضم إليه قوافل جديدة من الهاربين من حياة القسوة إلى جوار الموتى حيث السكون والهدوء الذي يخيم على المكان، بيوت صنعوها من الصفيح لعدم توفر مواد للبناء بفعل إغلاق المعابر حيث يشمل فناء المنزل على عدد من المقابر التي يوجد بعضها في غرف النوم أيضاً إذ لا ماء ولا كهرباء في المكان، الخيمة بعد عناء طويل وشاق حصلت على موافقة إحدى عائلات المقابر بشرط عدم التصوير وذكر الأسماء فنزلنا عند رغبة العائلة المكونة من ثمانية أفراد بالإضافة إلى الأب المنهك بالمرض والأم ذات الوجه الشاحب التي تندب حظها على ما ألحق بهم الزمن من مصائب، لكن المفاجأة كانت في أطفالهم الذين يرتعون ويلهون في فناء المنزل "أقصد المقبرة" غير آبهين بما يخبئه لهم الزمن من شقاء أو سعادة وكأن حالهم يقول "وكلها لله"، جميعهم التحف السماء وافترش الأرض لا ذنب لهم إلا أنهم فقراء لم يرثوا الدرهم ولا الدينار، تقول الزوجة وفي حضنها طفل لا يتجاوز العام بمرارة "ضاقت بنا الدنيا بما رحبت ولم يبقى لنا مكان سوى المقبرة التي أصبحت الملجأ الأخير لنا في هذه الأرض، لعلّ الأموات يشفقوا على حالنا من الأحياء، كل الأبواب التي طرقناها أغلقت في وجوهنا من مؤسسات حكومية ودولية وجمعيات لحقوق الإنسان لعلها تساعدنا لكن لا حياة لمن تنادي، وزوجي مريض لا يستطيع العمل وعندي أطفال ثمانية أكبرهم في التاسعة من عمره، في ساعات الليل أخاف عليهم من هذا المكان الموحش والمرعب"، متسائلة "لماذا لا نعيش مثل بقية الناس في هذا العالم ؟؟!!"، أترك للعالم الإجابة على سؤال أم لثمانية أطفال يعيشون في مقبرة .
وفي سياق الحديث عن المقابر لا بد من الإشارة إلى أن الموتى لم يسلموا من الوضع المأساوي الذي تعانيه غزة، حيث تقوم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ببناء قبور جديدة في كل عام لدفن الموتى، لكن الحصار وإغلاق المعابر الذي منع إدخال مواد البناء حرم الموتى كما الأحياء من قبر يستقرون فيه بسلام للقاء ربهم، مما اضطر القائمون على هذه المقابر لوضع الصفيح بدلاً من الباطون والإسمنت، ويقول الوكيل المساعد بوزارة الأوقاف الدكتور عبد الله أبو جربوع "الوضع خطير جداً لدرجة أننا نستبدل مواد البناء بأشياء بدائية مثل ألواح الزينكو "الصفيح" علماً أن هذا لا يجدي لأن موقع بعض المقابر ممر لسيول الأمطار، مما تسبب بهدم العديد من القبور وظهور جثث الموتى منها، مشيراً إلى أن وزارته تواجه مشكلة حقيقية في وضع المقابر نتيجة إغلاق المعابر ومنع دخول مواد البناء، وطالب المجتمع الدولي والحكومات العربية وجامعة الدول العربية ومنظمة العالم الإسلامي وجميع المنظمات الحقوقية والإنسانية بالضغط على إسرائيل لفك الحصار، وإدخال مواد البناء وفتح المعبر لإدخال ما يلزم للمحاصرين في قطاع غزة.

                     

ويحذر خبراء اقتصاديون من خطورة الآثار التدميرية للحصار وانعكاساته على معظم الشرائح الاجتماعية، الأمر الذي تسبب في مضاعفة نسب البطالة والفقر، وإلحاق خسائر فادحة للاقتصاد الفلسطيني تفوق مجمل المساعدات الدولية التي تلقاها الشعب الفلسطيني، بينما وصلت الظروف والأوضاع المعيشية للغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني إلى حالة غير مسبوقة من الحرمان بكل مستوياته في الغذاء والعلاج والملبس والتعليم والمسكن.
وكشف تقرير أعده معهد دراسات التنمية أن قطاع غزة يشهد حصاراً غير مسبوق منذ قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، أدى إلى انخفاض حجم التجارة إلى أدنى مستوياته، فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة وزيادة معدلات الفقر بشكل حاد. وجاء في التقرير أنه "على رغم المعونات الإنسانية والتنموية المقدمة للقطاع، فإن أكثر من 70% من الأسر لا تزال تعيش تحت خطر الفقر، فيما تعيش 42% منها في فقر مدقع"، مشيراً إلى أن "أعلى معدلات الفقر تركزت في محافظة شمال غزة وخان يونس بنسبة 73% و75% على التوالي، علماً أن 66 % من الأسر عانت من انخفاض دخلها خلال النصف الأول من العام الجاري".
وكانت إسرائيل شددت حصارها على غزة في أعقاب سيطرة حماس عليها، كما أنها اتخذت قراراً في 19 أيلول/سبتمبر الماضي باعتبار القطاع كياناً معادياً، وزادت من تشديد الحصار عليه.
ويبقى سؤال أم الأطفال الثمانية الذين يمرحون في المقبرة التي تحوّلت شواهدها إلى ديكور على الطراز الحديث يزيّن فناء منزلهم في مقبرة حتى الأموات استاءوا من وضعها وإهمالها، إلى متى؟! سؤالٌ توجهه أم لأطفال يقبعون بين الأموات كما الكثيرين في غزة إلى أصحاب الضمائر الحية وإلى الجهات الدولية والعربية المعنية، في ظل صمت مطبق وتصريحات خجولة علها تقف على جادة الصواب من جديد بعد عرض جزء من المشاهد البسيطة لأكثر من مليون نسمة يقطنون شريط ساحلي ضيّق غابت عنه ملامح الحياة الآدمية لإنسان ينعم في حياة كريمة، كما تقول القرارات الدولية والشرائع السماوية التي أصمّ بها الخطباء آذاننا، فهل نخرج من مرحلة الجعجعة والكلام إلى مرحلة الفعل والتطبيق؟؟ وإن غداً لناظره لقريب.

عدد التعليقات: 0 تعليقات الزوار
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: