مؤمن الشرافي – غزة: مع إشراقة صباح جديد، ترقب عيون المئات من المرضى الفلسطينيون المعابر المحيطة بقطاع غزة، على أمل السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج داخل إسرائيل ودول عربية مجاورة، أملٌ طال انتظاره وأودى بحياة مرضى قضوا على أسرة المستشفيات التي باتت تعاني هي الأخرى من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية بفعل الإجراءات العقابية الإسرائيلية التي شلّت كافة مناحي الحياة في القطاع.
وأعلنت المصادر الطبية عن وفاة الطبيب نظمي مصطفى عاشور، نتيجة إعاقة السلطات الإسرائيلية لعملية نقله إلى المستشفيات الإسرائيلية لتلقي العلاج عبر معبر بيت حانون "إيريز" شمال قطاع غزة.
وفاة عاشور جاءت بعد يوم من وفاة بسام حرارة (37 عام) بعد صراع مع المرض لعدة أشهر دون تمكنه من السفر لإجراء عملية جراحية، وكان الشاب حرارة يعاني من فشل كلوي منذ أربعة أشهر، ويتلقي العلاج في مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة، لكن حالته الصحية تدهورت بشكل كبير في الآونة الأخيرة.
وقال أحد أقارب المتوفى حرارة إنهم سعوا للحصول على تحويله للعلاج بالخارج وتمكنوا من الحصول عليها لكنهم لم يتمكنوا السفر لعلاج بسام بسبب الحصار وإغلاق المعابر، حيث كان يعاني في الآونة الأخيرة بشكل كبير جداً لأن الكليتين كانت نسبة عملهم 17% فقط، مضيفاً " قبل يومين اشتد عليه الوجع والتعب وأصيب بحالة إغماء وتم نقله إلى المستشفى ليعلن عن وفاته في فيما بعد بسبب النقص الحاد في الأدوية والأجهزة الطبية اللازمة لعلاجه".
عايدة وأطفالها السبعة
ومن أوجه معاناة الموت الفلسطينية في غزة، ما تمثل في المريضة عايدة عبد العال (أم لسبعة أطفال) أصغرهم لم يتعدى عامه الأول" بعد حرمانها من تلقي العلاج في الخارج، لتنضم بذلك إلى عشرة مرضى قضوا نحبهم جراء منعهم من السفر، تحوّل زوجها زكريا البالغ من العمر " 31 عاماً" بعد رحيلها إلى ربة منزل حيث يقوم بكافة الأعمال المنزلية يطبخ ويكنس ويوقظ أطفاله في الصباح الباكر كل يوم لكي يصنع لهم الطعام، يقول زكريا "زوجتي توفت بمرض السرطان لعدم سماح قوات الاحتلال لها بمغادرة غزة لتلقي جرعة كيماوي، كانت تصارع المرض وكانت صابرة، وكان الأمل يراودها يوماً بعد يوم بالشفاء"، وأضاف: "عند الكشف عن نتائج التحاليل غادرت القطاع لتلقي العلاج في الخارج، حيث أخذت الجرعة الأولى من الكيماوي في مصر، وبعد مضي 4 أشهر على سفرها إلى مصر ومع تحسن الحالة عادت إلى قطاع غزة، وأخذت 5 جرعات من الكيماوي واستقر وضعها تماماً لكن في 26 آب/أغسطس طلبنا الجرعات المتبقية من الكيماوي، لكن الحصار قطع عنها العلاج".
ويضيف أبو يحيى والحزن يخيم على حديثه "بعد تدهور حالة زوجتي رأى الدكتور المشرف على علاجها ضرورة سفرها إلى (إسرائيل) لتلقي العلاج، وبعد إجراء التحليلات لها قالوا إنهم لا يستطيعون فعل شيء لها، لأنها أتت في وقت متأخر من المرض، وبعدها رقدت ثلاثة أيام في (إسرائيل)، ثم عادت إلى غزة ولم يمض يومان حتى فارقت الحياة"، موضحاً أن لديه خمسة أبناء وابنتين، وهم يحيى (12عاماً)، رضا (10أعوام)، حمزة (8 أعوام)، هديل (7 أعوام)، وإبراهيم (5أعوام)، ومحمد (4أعوام)، ومصطفى (10 أشهر).
حسرة أمه على شبابه
أما نائل الكردي "21 عام" عانى من مرض السرطان لفترة من الزمن، وحرمته إسرائيل من العلاج بالخارج، لتضع حداً لحياة شاب مفعمة بالحيوية والنشاط، وينضم نائل إلى قائمة الوفيات من المرضى التي تستعد لضم المزيد في حال استمر الحصار والحرمان الإسرائيلي للمرضى من تلقي العلاج في الخارج، تاركاً خلفه حسرة أمه على فقدان فلذة كبدها نائل، تقول الحاجة أم رامي "الحصار قتل ابني رامي وما ذنبه كي يرفضه الاحتلال أمنياً عدة مرات لتلقي العلاج في الخارج؟!"، موضحة أنه في الفترة الأخيرة تدهورت حالته النفسية كونه لا زال في أول شبابه، داعية الله بأن يتغمد ابنها في واسع رحمته.
ويعتبر الكردي المواطن الخامس الذي توافيه المنية خلال عشرة أيام في قطاع غزة، وكان الشاب وعائلته قد ناشدوا المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي بالعمل على إنهاء معاناته والسعي من أجل استصدار تصريح له بالسفر، لكن ذلك لم يكن كافياً لإنقاذ حياته.

نقص الأدوية والمعدات
وعلى الصعيد ذاته، أوضحت وزارة الصحة الفلسطينية أن نحو 91 صنفاً من الأدوية الخاصة بمرضى الكلى والسرطان رصيدها صفر في مستودعات وزارة الصحة، إلى جانب وجود 48 صنفاً لا تكفي لبقية الشهر"، مشيرة إلى وجود 300 حالة تحتاج لسفر عاجل لتلقي العلاج، بالإضافة إلى وجود الكثير من الأجهزة الطبية بحاجة لتصليح كأجهزة الأشعة وتخطيط القلب والعناية المركزة"، وبالنسبة لأجهزة الكلى أكثر من 400 مريض يقومون بغسل الكلى على حوالي 66 جهازاً منها 23 معطلاً بحاجة لتصليح، وحوالي 43 جهازاً فقط يستطيع المرضى استعمالها، لذا قمنا بتقليص عدد مرات غسيل الكلى من ثلاث مرات إلى مرتين أسبوعياً".
وناشدت وزارة الصحة كافة المنظمات والمؤسسات الصحية الدولية والعربية، وخاصة منظمة الصحة العالمية، وجميع وزارات الصحة على مستوى الدول العربية والأوروبية بالتدخل لإنقاذ حياة العشرات من المرضى الذين يتهددهم الموت في كل لحظة.
تصريح خجول
من جانبه رفض الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الإجراءات العقابية الإسرائيلية ضد قطاع غزة ومواطنيه، قائلاً إنها "غير مقبولة".
وقال بان كي مون، في تقرير صدر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في القدس، إن تخفيض إمدادات الوقود والكهرباء يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية لما يقرب من 1,4 مليون نسمة في غزة، بالإضافة إلى تقليص إمدادات المواد الضرورية وتشديد القيود على حرية الحركة والتنقل، داعياً إسرائيل لإعادة النظر في إجراءاتها، ودعا كافة الأطراف المعنية أن تحمي المدنيين وأن تعمل وفق التزاماتها طبقاً للقانون الدولي، داعياً إلى وقف الهجمات الصاروخية من القطاع على إسرائيل.
وأشار التقرير الأممي إلى أن معبر المنطار "كارني"، وهو المعبر الرئيسي للبضائع التجارية، مغلق منذ 13 حزيران الماضي، وبتاريخ 28 تشرين أول، أعلنت إسرائيل الإغلاق الدائم لمعبر صوفا، كما وأن معبر "كرم أبو سالم"، يعتبر الآن المعبر الوحيد لحركة إدخال البضائع إلى قطاع غزة، لافتاً إلى أن السعة التشغيلية المحدودة لمعبر "كرم أبو سالم"، ربما ستؤدي إلى تناقص إضافي في استيراد البضائع والأدوية إلى غزة.
خسائر الحصار
وذكر أن الإغلاق المستمر لحدود غزة يعمل على الانكماش المستمر للاقتصاد المحلي حيث وصلت خسائر القطاع الخاص إلى 60 مليون دولار أمريكي في الأشهر الأربعة الأخيرة، وتابع "ما زال معبر رفح مغلقاً، ويعتبر هذا المعبر نقطة العبور الأساسية لما يقرب من 1,48 مليون فلسطيني في غزة من والى بقية أنحاء العالم، وباستثناء بعض الحالات الطبية والتجارية المحدودة وحالات العاملين في مجال المساعدات، لم يتمكن سكان غزة من مغادرة القطاع لما يقرب من خمس أشهر، موضحاً أن تناقصاً حصل في كمية البضائع التي تدخل غزة بنسبة 71% بالمقارنة مع الفترة قبل إغلاق معبر المنطار، بالإضافة إلى أن أسعار السلع في قطاع غزة تستمر بالارتفاع بسبب الكميات المحدودة من المواد المستوردة وتناقص وفرة بعض السلع المرتبط بذلك".
ويبقى قطاع غزة رهينة حصار خانق فرضه السلطات الإسرائيلية بعد قرار حكومتها باعتباره "كيان معادي"، حصارُ لم تشفع كافة القوانين والأعراف الدولية والإنسانية لدى حكومة أيهود أولمرت من رفع عقوبات جماعية على أكثر من مليون ونصف نسمة، في ظل الصمت العربي والإسلامي، مع التصريحات الخجولة من المؤسسات والمنظمات الإنسانية، فيما ينتظر العشرات من المرضى الانتقال إلى جوار ربهم، ناقمين على كافة شرائع الأرض التي لم تحل دون علاجهم وشفائهم، نساءٌ وأطفالٌ وشيوخ وشباب بانتظار خبر وفاتهم على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة.