الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
"مهرجان دبي للتسوق".. قصة نجاح أذهل العالم

حسام أبو جبارة ـ دبي: قبل عقدين أو ثلاثة، كانت لندن وباريس ونيويورك الوجهات الرئيسية لمحبي التسوق العرب والأجانب. اليوم تغيّرت الصورة بشكلٍ جذري، إذ باتت دبي الوجهة المفضلة للراغبين بالتسوق بأسعارٍ معقولة، من ماركات مشهورة، وفي أجواءٍ آمنة، خاصةً في مهرجان التسوق السنوي الذي تُقيمه هذه الإمارة الجميلة، والتي يُقام هذا العام في الفترة الممتدة بين 24 كانون الثاني/يناير _ 24 شباط/فبراير 2008.
حين أطلق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مهرجان دبي للتسوق لأول مرة في عام 1996، قال سموه في حفل الافتتاح "نتطلع لأن تكون دبي واحة سلام وفرح"، وبالفعل أصبح السلام والفرح مسيطراً على نفوس زائري دبي والمقيمين فيها من الراغبين في التسوق واقتناء احتياجاتهم المختلفة بخياراتٍ كثيرة وأسعار تقل كثيراً عن نظيرتها في عواصم التسوق الأجنبية.
                   
 
البحث عن فكرة

حتى أوائل التسعينات من القرن الماضي، لم تكن حكومات الخليج العربي تولي اهتماماً كبيراً لقطاع السياحة لاعتباراتٍ عديدة، فسياسياً، كان الخليج معروفاً عند السائحين كمنطقة محفوفة بالمخاطر، حيث كان مسرحاً لحربي الخليج الأولى والثانية، فكيف يغامر السائح بالمجيء إلى منطقة تشهد صراعات مستمرة؟! واجتماعياً، عُرفت المجتمعات الخليجية بمحافظتها وتمسكها بعاداتها وتقاليدها، وبالتالي فقد رأت في ممارسات نوعيات معينة من السياح ما يخدش الحياء العام، فوضعت بعض الدول الخليجية قيوداً على التأشيرات السياحية. واقتصادياً، لم تكن الطفرة النفطية وارتفاع عائدات "الذهب الأسود" محفزاً لفتح أسواق الدول الخليجية أمام السائحين، لأن هذه الدول لم تكن بحاجة إلى مصادر دخل إضافي من السياحة. ولكن بعد أن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، انخفضت أسعار النفط وتراجعت عائداته بشكلٍ كبير، فبدأت دول الخليج تدرك أهمية إدراج السياحة ضمن مصادر مواردها، بعدما أصبح من الصعب الاعتماد على النفط مصدراً وحيداً للدخل.
ولمّا كانت دبي، معروفة منذ القدم بالتجارة، وببراعة شيوخها وأهلها في صيد اللؤلؤ، ومع انعدام الموارد النفطية فيها.. أصبحت الإمارة الحالمة تترقب "فكرة" تدمج بين التجارة كموهبة وحرفة، والسياحة كمصدر دخل، فتحقق الحلم على يد من يملك رؤية مستقبلية ثاقبة، واستراتيجية تنموية ناجحة، فأطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مهرجان دبي للتسوق، الذي أراد له أن يجعل من الإمارات عموماً ودبي خصوصاً، أهم وجهات التسوق والترفيه العائلي في العالم.
لقد تبنّت حكومة دبي إستراتيجية مفادها أنه يجب تنويع الإيرادات، واستغلال مصادر القوّة في الاقتصاد، لضمان استمرار المستويات المرتفعة للدخل، ولتحقيق هذه الخطة، يتعيّن أن يحقق اقتصاد الإمارة معدلات نمو أسرع مما كان من قبل، بحيث يرتفع معدل النمو إلى أكثر من 5% سنوياً، فأولت الحكومة اهتماماً كبيراً بقطاعات التجارة والنقل والسياحة، وأعطت أولوية لقطاع الصناعات التحويلية والخدمات، كما عملت على تهيئة المناخ الاستثماري لجذب المزيد من رأس المال الأجنبي من خلال إلغاء الضرائب، وتخفيض الجمارك ورسوم إقامة المنشآت الصناعية والتجارية، وطبعاً نجح مهرجان دبي للتسوق، إضافة إلى المعارض والمؤتمرات والمهرجانات الأخرى التي تُقام على أرض الإمارة العامرة، في تنشيط معظم القطاعات التي خطّطت الحكومة لزيادة مواردها منها، فقاد التخطيط السليم إلى نجاحٍ كبير ومشهود.
                   

انطلاقة نحو التميز
  
شكّل مهرجان دبي للتسوق بدورته الأولى عام 1996، منطلقاً لوضع دبي على خريطة العالم، من خلال تكوين عائلة واحدة يسودها الحب والسلام، وتنعم بالعيش والسياحة والترفيه في أجواءٍ من الفرح والأمن والاستقرار الذي يُميّز دانة الدنيا.. دبي.
فقد فتح مهرجان عام 1996، الطريق أمام تحقيق تجارة ناجحة وصلت إلى 2.15 مليار درهم، حيث سجّل تجار الذهب مبيعات وصلت إلى 10 ملايين درهم في اليوم الواحد، فيما فاقت المبيعات الإجمالية لقطاع الإلكترونيات 800 مليون درهم، وسجّلت الفنادق نسبة إشغال وصلت إلى 100%، ووصل عدد زوار دبي إلى 1.6 مليون زائر، معظمهم من خارج دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين قدِموا إلى الإمارة بفضل الدعاية الواسعة للمهرجان، والجوائز القيمة، والخصومات، والتخفيضات الكبيرة في الأسعار التي تتخللّه، وقبل كل ذلك، الترحاب الكبير الذي يلقاه الزائر بدءاً من المطار الذي يرتدي حُلةً جديدة وجميلة في أيام المهرجان.
وإذا كان مهرجان دبي للتسوق نجح في عامه الأول، في تحقيق ركائزه الأساسية الثلاث: تسوق، وربح، وترفيه، فإن نجاحه الحقيقي تمثل في أبعاده الاقتصادية أساساً، والتي انعكست على كل مظاهر الحياة في الإمارة والدولة عموماً.
فخلال المهرجان، بدوراته المختلفة، تزداد حركة الطيران في سماء دبي، إذ تأتي معظم شعوب العالم لتحط الترحال في هذه الإمارة المدهشة، حاملةً معها ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، وكل ما تملك من قيم يمكن أن تتعارف بها مع نظرائها. وتتخذ الجهات الرسمية في دبي الإجراءات الكفيلة بتسهيل وصول الزوار الراغبين بالمشاركة في المهرجان، سواء على صعيد مضاعفة تأشيرات الدخول، أو تسريع إجراءات التفتيش والفحص، أو توفير أجواء آمنة وحركة سير سلسة. وتكتسي شوارع الإمارة وأماكنها العامة بطابعٍ احتفالي، يُعّبر عن بهجتها وسرورها بالزوار والضيوف القادمين للاستمتاع بأجواءٍ استثنائية من البهجة والمرح والربح الوفير.
ولأن المهرجان يحمل صفة "التسوق"، فإن المراكز التجارية في دبي، والتي تزيد على خمسة وثلاثين مركزاً، تشهد معظم الأنشطة المصاحبة، من خصومات، واحتفالات، ومفاجآت، وسحوبات. ويعتبر التسوق خلال أيام المهرجان متعةً حقيقية، إذ يتوفر في المراكز التجارية والمحلات المنتشرة في دبي، كل ما يخطر على البال من سلع ومنتجات ومأكولات، من أشهر الماركات، وأجود المكونات، وبأفضل الأسعار، علاوةً على وجود أسواق متخصصة بالبضائع العربية والهندية والصينية، وهناك أسواق للذهب والتوابل والأقمشة والإلكترونيات.
وتُعتبر القرية العالمية، الحدث التسويقي - الترفيهي الأبرز خلال المهرجان، وقد شهدت خلال دورتها الحالية توسعة كبيرة وزيادة ملحوظة في أعداد الدول، التي تقدم في أجنحة بديعة التصميم، بعضاً من أبرز صناعاتها ومنتجاتها، وأيضاً تقدم ثقافاتها ومأكولاتها للزوار الذين يتسابقون الخطى لزيارتها، لا سيما في ساعات المساء وأيام العطل والإجازات.

عوامل النجاح

لعل النجاحات المتواصلة لمهرجان دبي للتسوق، بدءاً من الدورة الأولى التي جاءت بـ1.6 مليون زائر أنفقوا 2.15 مليار درهم، إلى الدورة الحادية عشرة (2006-2007) التي وصل فيها عدد الزوار إلى 3.5 مليون زائر، وارتفع فيها حجم الإنفاق إلى 10.2 مليار درهم، تدفعنا إلى التساؤل عن العوامل التي تقف وراء نجاح المهرجان، وهي كثيرة ولكن أهمها:
- التخطيط السليم للفكرة وحُسن تنفيذها: فهي ليست مشروعاً وهمياً صنعته خطب وشعارات رنانة، إنما هو فعل سبق القول، وفكرة وقف خلفها من يدرك أن بلده أهلٌ لها، وأقدر على تحقيقها، وأولى بمنافعها وفوائدها.
- موقع دبي المتميز: فهي تقع في قلب المنطقة التي تصل الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب، والوصول إليها سهلاً، براً، بحراً وجواً، من أغلب المدن الرئيسية في العالم. ويُعتبر مطار دبي الدولي واحداً من أفضل المطارات في العالم، وتبلغ قدرته الاستيعابية السنوية اليوم 14 مليون مسافر، والعمل جارٍ لرفع هذه القدرة إلى 70 مليوناً.
- الأفكار الخلاّقة التي يطرحها المهرجان سنوياً: إذ يُجدّد أفكاره وعروضه من عام لآخر، وخاصةً في مجال التخفيضات الكبيرة على أسعار السلع والخدمات، والجوائز النقدية والعينية الضخمة، والمسابقات التكريمية مثل مسابقة "الأم المثالية" و"الأسرة المثالية"، والسوق الليلي، والحفلات الغنائية، والعروض المسرحية.  - حملات الترويج للمهرجان: حيث تخصص إدارة المهرجان جزءاً من ميزانيتها للترويج إليه، سواء داخل الدولة أو خارجها. ويتم سنوياً إرسال وفد خاص بمكتب المهرجان إلى عدة دول عربية وأجنبية لتعريف الجمهور ووسائل الإعلام وشركات السياحة والسفر في هذه الدول بالمهرجان ومفاجأته المتجدّدة.
- إشراك القطاع الخاص في رعاية المهرجان: فالحكومة تضع التشريعات والإجراءات وتطور البنى التحتية، والقطاع الخاص يحرك عملية النمو مما يجعله شريكاً معاوناً للحكومة، ويتحمل الجزء الأكبر من ميزانية المهرجان برضا وطيب خاطر، لأن معظم عوائد المهرجان تعود إلى هذا القطاع.
- وجود إدارة مستقلة للمهرجان: إذ يعمل طاقم من الشباب الإماراتي، المؤهل والمتحمس للعمل والذي يحمل أفكاراً خلاّقة، على إدارة المهرجان بكل مراحله، ويتعاون في ذلك مع القطاعين: الحكومي والخاص، ولكن تبقى له حريته في اتخاذ كل ما هو في صالح نجاح المهرجان وتميزه.
- مصداقية الخصومات والجوائز والسحوبات: حيث تخضع جميع العروض والخصومات والتخفيضات والجوائز والسحوبات التي تتخلل المهرجان إلى إشراف مباشر ورقابة صارمة من قبل دائرة التنمية الاقتصادية بدبي وإدارة المهرجان، لمنع أي تلاعب في العروض والجوائز.

طموحات أكبر

النجاح الكبير الذي حققه مهرجان دبي للتسوق في دوراته الإحدى عشر الماضية من ناحية تنشيط العديد القطاعات الاقتصادية في دبي ودولة الإمارات عموماً، بدءاً من خطوط الطيران وشبكة المواصلات العامة وشركات تأجير السيارات، مروراً بتجارة التجزئة المتمثلة في مراكز التسوق والأسواق التقليدية، وانتهاءً بالفنادق والشقق الفندقية التي تكون مكتملة العدد خلال فترة المهرجان.. كل ذلك يُشكّل دافعاً وطموحاً بتحقيق نجاح أكبر في الدورة الثانية عشرة (من 24 كانون الثاني/يناير إلى 24 شباط/فبراير2007)، وعلى مدار 32 يوماً من المتعة والفرح، حيث سيكون كل يوم منها مهرجاناً بحد ذاته.
وتشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع حجم الإنفاق في الدورة الحالية بنسبة 20%، وفي عدد الزوار بنسبة 15%، بحيث قد يتجاوز عدد ضيوف دبي الأربعة ملايين زائر، ويتجاوز حجم الإنفاق 12 مليار درهم، بفضل زيادة عدد مراكز التسوق في الإمارة، التي تجاوز عددها الـ40 حالياً، والتشكيلة الواسعة من المعروضات التي تتوفر فيها، وكلها بأسعار مخفضة وبدون ضرائب، وأيضاً لما تتمتع به دبي من سحر ودهشة، فهي تتميز باستقرارٍ أمني، وحرية اقتصادية، وبنية تحتية متطورة، ومشروعات عملاقة، ما يؤهلها لتحقيق المزيد من النجاحات، لا سيما في مهرجانها السنوي الرائع، الذي يبث المتعة، والتشويق، والتسلية، والربح، في نفس كل مقيم وزائر للإمارة، وهو ما يعكس نجاح الفكرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين دعا إلى جعل دبي محطة تواصل للإنسانية جمعاء ليصبح العالم بمختلف أجناسه عائلة واحدة على أرض دانة الدنيا، العامرة بأهلها وزوارها وبكل ما تحمله من تفاصيل وموجودات.

عدد التعليقات: 5 تعليقات الزوار
أنجح فكرة اقتصادية
| السعودية | 2008/01/29 08:27:10 | أم فهد

حقيقة أن مهرجان دبي من أنجح الأفكار الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة هناك، ولو نظمت كل دولة عربية مهرجانا مماثلا في فترات مختلفة لحقق لها الكثير من العائدات وساهم في تنمية السياحية الداخلية بين الدول العربية الشقيقة وكذلك ساهم في تعريف الدول الأخرى بعاداتنا وتراثنا.

أسعارها غالية
| قطر | 2008/01/29 13:44:20 | أحمد العبد الله

مهرجان دبي جميل ورائع فعلا وقد زرته في العام الماضي وكان فوق مستوى توقعاتي ولكن مشكلة دبي أن أسعارها غالية جدا بالنسبة لنا كخليجيين فكيف هي الحال مع الدول الأخرى وخاصة سكان بلاد الشام، فقضاء أسبوع واحد فيها، لأسرة من ثلاثة أفراد يحتاج أكثر من 10 آلاف دولار تصرف فقط على النوم والمواصلات والأكل والتسوق الخفيف.

دبي رائدة
| الإمارات | 2008/01/30 09:25:11 | القاطع

ستبقى دبي رائدة في افكارها ومشاريعها رغم المنافسة الكبيرة من الدول المجاورة وادعو جميع الناس الى زيارتها رغم زحمة السير وارتفاع الاسعار لان فيها الكثير من الاشياء التي تخفف من هاتين المشكلتين

دبي رائعة
| السعودية | 2008/02/02 16:03:25 | جمال جيدان

تسنى لنا زيارة دبي ثلاث مرات خلال مهرجانات التسوق وكانت رائعة ومناسبة لي ولعائلتي وهذا المهرجان يشكل تجربة مميزة لذات الاسباب المذكورة في الموضوع وخاصة سهولة اجراءات زيارة دبي والعروض المغرية التي تقام خلاله

تجربة مميزة
| الأردن | 2008/02/05 16:13:55 | لميس حجار

يفترض ببقية الدول العربية أن تدرس هذه التجربة وتقيم عوائدها وترى إذا كان بالإمكان تطبيقها في الدول التي لا تمتلك ثروات طبيعية وتحتاج إلى عناصر جذب كما هو مع الأردن مثلا لأن مهرجان دبي كما ورد في التحقيق يجذب عدة ملايين من الزوار سنويا ويدر على البلد دخلا ممتازا.

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: