موسكو – يوري اندرييف: اذا كانت الرحلات السياحية الى الدول المختلفة تعتبر الوسيلة الفضلى للتعرف على ثقافة البلاد وشعبها فان زيارات أسواق (بازارات) روسيا بالذات تسمح لك بالاحساس بتلاوين البلاد الحقيقية. فقلما تجد مدينة صغيرة او كبيرة او حتى بلدة روسية تخلو من البازارات، وهي أسواق تحتوي على كل ما يمكن ابتياعه وما لا يمكنك ان تجده في كل مكان، او الذي تجده في كل زاوية، باختصار هي صورة عن الأسواق الشعبية الشرقية التي حملها المنغول والتتر الى روسيا معهم خلال فتوحاتهم فاستوطنت الأرض الروسية وعقول الروس، فيما بات من جاء روسيا بالسيف خارج اسوارها.

وانت تجول في أرجاء البازار ستسمع من دون شك في كل انحائه صخب الحياة يضج بكل ما للكلمة من معنى: فهنا صراخ الباعة وهناك المماحكات التجارية في قياس الاسعار التي تجري حصرا في البازارات ولا تجري في اي مكان اخر في البلاد، وفي مكان غير بعيد عمليات تحميل وتفريغ للبضائع واصوات محركات الشاحنات تصم الاذان. وللبازار خاصية يفهمها الشعب الروسي دون سواه بشكل خاص وهي ان البازار وجد للمفاصلة في الأسعار، فحتما عليك ان تجادل وتقايض في الاسعار من اجل تخفيضها والامر بحد ذاته ليس في تخفيض ثمن البضائع بقدر ما هو في الشعور باحساس الانتصار الذي يساعدك ويدخل السلوى الى نفس الشاري كما الى نفس البائع!
وتكتسب زيارة البازار في روسيا طابعاً فريداً، نادراً ما تشهده المناطق والمواقع التجارية الروسية الاخرى، فميزة البازار انه وعلى عكس غيره يعيش حياةً مليئةً بالضجيج الكبير التي يفتقدها المواطن الاوروبي في الكثير من نواحي حياته، حيث تشعر بالناس يحيطون بك من كل ناحية وصوب، الكل منهمك في شيء ما مختلف عن الاخر، ولكل واحد منهم همومه ومشاغله مهما كان ذوقه ورأيه ولذلك يدهشك هذا التفاعل بين الشعب الروسي والبازارات وكأنه يعبر عن حاجة المواطنين الى الانخراط في المجتمع الكبير والابتعاد عن سكون المنزل وحلقات الاصدقاء الضيقة الى الحلقة الاوسع التي هي البازار. ويشعر المتجول منذ اللحظة الاولى ليس فقط بالألوان المتعددة لجنبات واجنحة البازار، بل وبالروائح الشهية المختلفة، فهنا روائح البهارات الشرقية القوية وهناك روائح الخضار والفواكه على انواعها ويعرض عليكم البائع بلباقة تذوق خضاره وفواكه وما عداها قبل ان تقرروا الشراء وهو يعرف وبمكر كبير بأنك وبعد ان تتذوق منتجاته على اختلافها ستشتري ولا شك شيئاً من محاصيله، ولذلك ففي الاسواق الشرقية (البازارات) لا وجود لمنتجات سيئة.

كل بائع تراه يتعامل بتؤدة ونعومة وعناية فائقة مع منتجاته المعروضة ويزينها باستمرار ويرش عليها المياه ويزيل من بينها السيء وهو يدرك بانك لو اشتريت منه ولو مرة فاكهة او خضار ستعود من دون شك للتفتيش عنه بين الكتل البشرية وتلال الخضار والفاكهة مجدداً. ومع زيارة البازار تحصلون على رضا ليس فقط من الشراء، بل ومن الخبرة التي تتكون لديكم من التعامل والتخاطب مع السكان الاصليين للبلاد الذين يحرثون ارضها ويزرعونها ويتعاملون معها بحب وتضحية.
روسيا المتعددة الاهواء وصاحبة الحضارة العريقة والتقاليد المتوارثة جيلا عن جيل تضم في جنباتها على خلاف الكثير من الدول تراكيب تقاليد لشعوب واعراق مختلفة تنصهر فيما بينها بتناسق كلي فهي تجمع التقاليد الاوروبية بشكل خاص مع الشرقية والأسيوية ولا يتذمر واحدها من الاخر. فهذه الارض محملة بتقاليد غنية وعادات هذه الشعوب التي تعيش هنا منذ قرون عديدة في تمازج وتعاون ووئام.

البازار هو مؤسسة اقتصادية واجتماعية بامتياز تعيش وفقا لقواعد محددة نسجت على مر العصور، وهذا ما يجعل من النشاطات التجارية فيها أكثر حيوية، ويرسخ نظاماً عاماً من الاتفاقات المتعددة والمتوازنة ويحدد الاموال والترتيبات والاوزان والضمانات....
البازار لعب بشكل دائم دوراً اساسيا في اقتصاد المدينة وفي كل مراحل الانظمة التي تعاقبت على روسيا من القيصرية الى الشيوعية وحتى يومنا هذا كان البازار المكان الطبيعي الذي يؤمن للمواطن كل ما يحتاجه ويصعب عليه ايجاده في الأمكنة الاخرى، وبالدرجة الاولى المواد الغذائية والمواد الخام، كما انه أعتبر المتنفس الوحيد للقطاع الخاص في الفترة السوفياتية لتصريف منتجاته.
ويقول احد الباعة القدماء في السوق سيرغي براسينكوفيتش ان "اسواق روسيا (البازارات) هي انعكاس لتقاليد عريقة وطقوس للسكان المحليين والمتجولين وترجمة للمسارات الديناميكية المعقدة التي وكما البضائع فيها تنم عن اذواق الشعب وحضارته وامكانياته ومعارفه وقيمه وافكاره".

ويضيف "انا لا تصور انه يمكنني ان أعيش يوماً واحداً من دون التواجد في البازار، علي ان اتي كل يوم اليه،
وانا افعل ذلك منذ 20 عاما باستمرار. ويوم نغيب عنه (يوم العطلة فيه هو يوم الاثنين) نشعر باننا افتقدنا الى شيء والى بعضنا البعض نحن الباعة كما الى الزبائن".
ولا يخفي سيرغي ولعه بالمقايضة وبرفع الاسعار و(التشاطر) في البيع ويقول في هذا الصدد "الناس انواع واجناس، فالبعض يشتري بعد ان يتذوق البضاعة، هذا البعض عنده هيام بذلك ولا يصدق الا بعد التذوق وهذا أمر يتطلب منا معرفة كيفية التعاطي مع هذا النوع، اذ يجب السماح له بحرية التذوق ولكن بالمقابل هناك انواع تأتي الى البازار للتذوق فقط وهذه الانواع من الناس تثير لديك الحنق والامتعاض".

وأضافة الى التزود بالمواد الغذائية فان البازارات لديها وظائف اخرى تسمح بالتعرف على تقاليد الشعوب وتساعد على المحافظة على ذكرى الأمكنة. وحتى في ظرفنا الحالي فان كل الأشكال التجارية لم تفقد بعد حيويتها وبقي المحافظة على طقوس البيع والشراء قائماً حتى عصرنا الحالي.
والبازارات تقسم الى قسمين فيها المغلق وبالتأكيد البازار المفتوح الذي تغطيه قبة السماء العالية وتقسم البازارات الحديثة الى قطاعات: قطاع اللحوم وقطاع الاسماك والدجاج والبيض والارانب وبعدها الخضار والفواكه والعسل وغيرها وغيرها...
وكما تردد احدى السيدات التي سألناها عن سبب حضورها الى البازار ولم نرى انها تحمل اي شيء قالت "انا احضر الى البازار صباح كل يوم احد لانني لا اعمل في هذا اليوم ووجودي في هذا المكان (البازار) يسليني ويجعلني اشعر بدفء الناس، فانا اعيش وحيدة في المنزل وخروجي الى السوق يجعلني اشعر انني أعيش وسط العالم باسره".

ومهما كان فان الاسواق الشعبية في روسيا كانت وستبقى دائما محجاً لكل المواطنين الساعين الى لقمة العيش والعمل والى التزود بالبضائع، وهي باقية كما كانت في غابر الزمان حيث يمكنك ان تجد كل انواع الفواكه والخضار في روسيا الجليدية من الشمام الى البطيخ والدراق والكرز والاجاص والتفاح والمشمش والبندوره والخيار الى البطاطا والرز والفستق واللوز اضافة الى الخيارات الكثيرة الاخرى من البهارات والفواكه المجففة التي تحضر من الجمهوريات السوفياتية السابقة كاوزبكستان وغيرها من الدول الاسيوية. البازار هو الخليط الاممي وهو التفاهم الشعبي والقومي والطائفي الذي يجمع بين الجليد والشمس بين البحر والجبل بين الشمالي والجنوبي ويصهر الجميع في بوتقة واحدة مسالمة يقل ان تجد مثلها في بلاد تتسابق في طريق الحداثة والتطور.