يوري أندرييف - موسكو: هذه القصة التي نعرضها هي قصة فيتالي كالويف، مواطن روسي عادي جداً وبسيط كان يعيش حياته الهانئة المتواضعة يكافح كما كل مواطن يسعى إلى رفع شأن حياته وحياة أسرته. وشاءت الأقدار ان يجهد كالويف في العمل ويستطيع ان يجمع بعض من مال قدمه إلى عائلته التي أحبها كثيراً وعمل لأجلها، وذلك بان اشترى لها بطاقات لرحلة استجمام في اسبانيا لمرافقة عدد أخر من الأطفال والسيدات للسياحة.
كان ذلك في العام 2002 ، كل شيء كان معداً بشكل جيد للفرح، إلا ان السعادة وفي لحظة واحدة انقلبت إلى حزن وغم، إذ اصطدمت الطائرة الروسية "تو – 154" التابعة للخطوط الجوية البشكيرية (باشكيريا جمهورية في كيان روسيا الاتحادية) والتي كانت تحمل الأطفال بطائرة أخرى تابعة لشركة "دي اتش ال" للنقل، فوق إحدى البحيرات عند الحدود الألمانية - السويسرية ما أدى إلى مصرع 71 شخصا من بينهم زوجة كالويف وابنه وابنته.
هذه الفاجعة هزت الأب والزوج وبعد تفكير عميق وعذاب سارع بالسفر إلى سويسرا وذلك بعد ان علم ان سبب حادثة اصطدام الطائرتين كان موظف مركز توجيه وإرشاد الطائرات في مطار زيوريخ بيتر نيلسون الذي أهمل وظيفته وكان في مكان أخر ساعة الحادث غافلاً عن واجباته. لم يتأخر فيتالي في التقصي عن الموظف وتعقبه إلى ان قضى عليه. وفي تشرين الأول /أكتوبر العام 2005 حكمت محكمة زيوريخ بسجنه 8 سنوات خفضت بعدها إلى 5 سنوات و3 أشهر، إلا ان المحكمة عادت وأفرجت عنه قبل هذا الموعد خلال 3 سنوات ونصف السنة.
ليلة الاثنين الثلاثاء عاد فيتالي على متن الطائرة إلى موسكو "الخيمة" كانت في انتظاره على ارض المطار إلى جانب عدد كبير من أصدقائه وأقاربه ومجموعة من الصحافيين إضافة إلى بعض الناشطين المتضامنين معه.
وقد أجرينا خلال انتظارنا لفيتالي حواراً مع ذويه ومنهم شقيقه الطبيب يوري وزوجته مارغريت وشقيقته زاريما التي وصلت من مدينة نيجني نوفغورود التي قالت "لم اصدق أمر الإفراج عن أخي، إلا بعد ان لامست الطائرة الأرض، أخي عاد هذا أهم حدث في كل حياتي".
لقد اعددنا العدة كما تقول زوجة شقيقه مارغريت للاستقبال "فقد ذبحنا الخراف حسب تقاليدنا الاوسيتية (اوسيتيا جمهورية ذات حكم ذاتي في شمال القفقاس) وسنستقبل كل الضيوف في منزلنا. نحن قلقين عليه بالطبع لم اعرفه في الصور، المهم انه سيكون بيننا أخيرا، والاهم انه عاد مرفوع الرأس، فهو لم يعتدِ على احد بل ثأر لزوجته وأطفاله الأبرياء".
وتضيف "لقد كان يخابرنا من السجن كان يسمح له كل يوم أحد بمخابرتنا لعشر دقائق بالطبع المخابرة مدفوعة الأجر، هو كان يعمل هناك في زرع الأزهار وبعدها في منشأة صناعية".
ومع جلوسنا في قاعة الانتظار وقف الجميع عند الساعة 1،55 وكانوا على أهبة الاستعداد لاستقبال فيتالي في قاعة الاستقبال الرسمية في المطار حين ظهر فجأة فأحاط به كل منتظريه.
وسارع إلى معانقة أقاربه صائحا في وجه زوجة شقيقه التي كانت تذرف الدموع "يكفي نحيب لقد عدت" وهو يحضنها.
وعلى الفور قال "اشكر الجميع كل من دعمني لقد شعرت بالدعم ليس فقط من الشعب البسيط بل من الدولة".
وقال في حديث سريع مع "الخيمة" وهو يغادر المطار يحوطه اهله "لست انا بقاتل ولم اشأ ان اقتل بل أردت ان يكون هذا الشخص عبرة للآخرين"
وأضاف لقد تم تخفيض الحكم علي لانني كنت مثال السجين الصالح، وقد تشكلت عندي صداقات كثيرة مع أشخاص من مختلف الجنسيات كانوا خير معين لي".
وقال "لقد اعتدت على السجن لدرجة انه عندما لفظ القاضي الحكم بالافراج عني صرخت لماذا هذه الحرية الآن؟"
مع خروج فيتالي من قاعة المطار إلى السيارات التي كانت بانتظاره كان هناك خارج المطار حشدٌ من الشباب المتحمس على جوانب الطرقات ومعظمهم ناشطين اجتماعيين حملوا يافطات كتب عليها "أنت رجل حقيقي".
وبسؤالي لهم هل انتم مع ما فعله فيتالي؟
أجابتني إحداهن "هو الشخص الوحيد الذي وقف مع الضحايا، الجميع نسيهم والأقبح انهم هناك لم يعاقبوا من اقترف هذه الخطيئة القاتلة فجاء من يعاقبه".
ناشط أخر قال "هو رجل بحق لقد أتينا لنقول له نحن نشعر معك يجب ان يكون هناك دائما ثواب وعقاب فالحياة ليست ملك هذا الموظف عندما ارتكب عن إهمال عملية قتل جماعية".
الباحثة الاجتماعية ايرينا شماريغينا أشارت في اتصال معها إلى ان "ردة فعل الناس المؤيدة لعمل قتل من هذا النوع مفهومة، وان كانت غير مبررة بالكامل، فهي تعبير عن معاناة من ظلم ومن فقدان عدالة مزمن ولذلك ترى الكثير من المسالمين الذين لا يقوّن على إيذاء بعوضة، ينتفضون على المظالم".
وأضافت "بالفعل هناك تناقضات كبيرة تساور من يقوم بمثل هذه الأفعال، فحالة فيتالي نتجت عن معاناة كبيرة وعن تناقضات نازعته. من دون شك فهو قتل لينتقم ممن قتل عائلته، وإذ به أساء إلى عائلة أخرى ومن المحتمل إلى أطفال هذا الرجل (المراسل: للمناسبة نيلسون ترك وراءه 3 أطفال) المتعلقين به كما كانت حالته هو نفسه مع أطفاله".
وأكدت الباحثة الاجتماعية "اننا أمام حالة صعبة ومعقدة في الفهم الإنساني، إلا ان الحل لمثل هذه الأمور يكون بفرض العدالة الاجتماعية سواء في داخل المجتمع والدولة نفسها أو بين الدول".
وختمت بالقول "لو كانت العدالة متوفرة في قوانين دول العالم والاهم لو طبقت بالصورة المناسبة لكنا من دون أدنى شك وفرنا الكثير من المآسي".