الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
فلسطينيو سورية.. أسطورة البقاء على قيد الأمل..

جهاد أسعد محمد-دمشق: ليست هناك علامات خاصة تميز المخيمات الفلسطينية في سورية عن سواها من الأحياء السكنية الشعبية البسيطة التي تقطنها الشرائح السورية الفقيرة والمتوسطة، وهذا الأمر ينطبق على عموم هذه المخيمات، سواء تلك القائمة على أطراف العاصمة دمشق، أو نظيرتها المتناثرة في بعض المحافظات السورية الأخرى، كـ"حلب" و"درعا" و"اللاذقية" وغيرها، ولولا بعض التفاصيل الصغيرة شديدة الخصوصية التي طبعت المخيمات حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي بطابعها، كملصق لأحد الفصائل السياسية الفلسطينية هنا، أو صورة شهيد هناك، لكان تمييز المخيم الفلسطيني عن سواه من الأحياء السكنية أمراً بغاية الصعوبة، ولكن عدم وجود أي نوع من التمييز ضد الفلسطينيين في سورية، حمل من وجهة نظر البعض في طياته سلبيات كثيرة على مدى العقود الماضية، بقدر ما حمل من قيم الإخاء القومي..
وفي العموم فإن ما سبق على أهميته، ما هو إلا جزء من لوحة كبيرة لبشر مايزالون مهجّرين من أرضهم ومدنهم وقراهم منذ ما يقارب الستين عاماً، وكل المؤشرات السياسية والوقائع الميدانية وتصاعد الأحداث، تؤكد أن أمر عودتهم بات في غاية الصعوبة، وستسيل دماء كثيرة، وتُقدم قرابين بشرية عظيمة قبل أن يتحول الحلم إلى حقيقة.. ومع ذلك يبقى الأمل..

اللجوء.. المأساة والمؤامرة

حين وقعت النكبة عام 1948، تدفق عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى سورية، ومعظمهم هُجّروا قسراً من مناطق صفد وطبرية وحيفا والناصرة، ولا حاجة هنا للإسهاب في الحديث عن المؤامرة الاستعمارية الكبرى بذيولها وخيوطها المتشابكة محلياً وعربياً ودولياً التي أدت إلى هذا المصير المفجع، فقد أصبحت الكارثة بأدق تفاصيلها تدرّس في كتب التاريخ، وحَلّلت فصولهَا عشراتُ الأبحاث والدراسات الموضوعية في الشرق والغرب.. المهم أن المأساة وقعت، والمهجرون الذين اتجهوا شمال شرق، إلى سورية، وعددهم في ذلك الوقت كان يزيد الـ 85 ألف لاجئ، لم يجدوا أنفسهم إلا وقد أصبحوا من سكان الخيام التي قدمتها المنظمة الدولية التي شاركت في إعداد وتنفيذ المؤامرة، أو ضيوفاً في بيوت أشقائهم السوريين المتواضعة، قبل أن تشيّد المخيمات في مناطق التجمع الأساسية، التي لم يكن أي من اللاجئين يحسب أو يتخيل أن الإقامة فيها ستمتد إلى عقود طويلة..

المخيمات.. الوطن المؤقت..

على أطراف بعض المدن السورية، وخصوصاً العاصمة دمشق، قامت المخيمات الصغيرة التي بنيت بداية على عجل، لكنها لم تلبث أن بدأت تكبر وتتوسع لتلبية الحاجات المتزايدة للاجئين، وأصبحت تتخذ شكل مدن صغيرة، ولعل أهم هذه المخيمات تلك التي أقيمت على تخوم دمشق، ومنها مخيم اليرموك الذي يقيم فيه أكثر من ربع اللاجئين، وهو بالإضافة لذلك أكثر المخيمات نشاطاً على الصعيدين السياسي والثقافي.. وهناك مخيمات "خان الشيح"، "دنّون"، "سبينة"، "السيدة زينب"، "جرمانا"، "الوافدين"، وكلها في ريف دمشق.
كما أن هناك مخيمات صغيرة في كل من حلب، وحمص، ودرعا، واللاذقية، وثمة نسبة لا يستهان بها من فلسطيني سورية يعيشون خارج المخيمات، ويتوزعون في أغلب المحافظات والمناطق السورية، وخصوصاً في أحياء العاصمة مثل: "دمر"، و"ركن الدين" و"دمشق القديمة". ويشكل اللاجئون في سورية نحو 4.5% من مجموع سكانها، ونحو 11% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين في الشتات.
وقد انخرطت المخيمات الفلسطينية في سورية بالعمل الوطني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965، وقدمت طوال فترة الكفاح المسلح أكثر من أحد عشر ألف شهيد وجريح، كما شكلت ما يشبه المركز المفتوح للنشاط السياسي والطلابي لعموم الشباب والنشطاء السياسيين في سورية طوال فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، وسرعان ما راحت تستقطب سكاناً غير فلسطينيين: سوريين، عراقيين، مغاربة، أريتيريين وسودانيين..

حقوق.. وواجبات

مع تبدد أحلام التحرير السريع للأراضي الفلسطينية المحتلة، وعجز العرب بعد مرور عدة سنوات على النكبة عن القيام بأية خطوات عملية فعالة تجاه عودة اللاجئين، صدر في سورية بتاريخ 10/7/1956 القانون رقم (260) تحت ضغط شعبي عميق الإيمان بالقومية العربية، وهذا القانون ساوى كلياً بين العرب السوريين والفلسطينيين من حيث الحقوق والواجبات، إذ نص صراحة على أن "الفلسطينيين المقيمين في أراضي الجمهورية العربية السورية كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة والتعليم وخدمة العلم"، مع تمايز وحيد وهو احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية حفاظاً على حقوقهم المستقبلية في عودتهم إلى أرضهم المحررة..
وفي 2/10/1963 صدر القرار رقم (1311) الذي نظم وثائق سفر اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وقد منح هذا القرار اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية وثائق سفر من أجل إفساح المجال أمامهم للتنقل الخارجي لتحسين ظروف معيشتهم، بشرط وحيد وهو أن يكونوا مسجلين لدى مديرية مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين، وحائزين على تذكرة إقامة من المديرية العامة للأمن العام السوري، على أن تتولى إدارة الهجرة والجوازات التابعة لوزارة الداخلية السورية متابعة كل ما يتعلق بتجديد وثائق سفرهم وتمديدها، ويبقى أهم ما في القرار المذكور هو المادة رقم (10) التي تخول صاحب وثيقة السفر الممنوحة للاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى الجمهورية العربية السورية دون تأشيرة عودة.
كما أتاحت التشريعات للاجئين حق المشاركة في الانتخابات والترشيح للنقابات السورية المختلفة والمنظمات الشعبية، وحجبت عنهم فقط المشاركة في الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية، حرصاً على هويتهم الوطنية الفلسطينية.
أما من حيث متابعة شؤونهم وقضاياهم الاجتماعية، فتم استحداث مؤسسة لشؤون اللاجئين تتبع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، مهمتها الرئيسية تسجيل كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية المستجدة للاجئين من ولادات، ووفيات، وزواج، واستصدار بيانات سنوية مليئة بالنسب والأرقام الدقيقة حول تطور أوضاعهم الاجتماعية بشكل عام. وهذه المؤسسة هي المرجعية الوحيدة للاجئين الفلسطينيين في سورية.
وفي آخر إحصائية للاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية، تم إجراؤها مطلع عام 2007، قُدّر عددهم بنحو نصف مليون لاجئ، يسكن 67% منهم في دمشق وريفها، ويتوزع الباقون بين شتى المدن السورية الأخرى..

الظروف الاجتماعية والاقتصادية للاجئين

لا يختلف حال الفلسطينيين في سورية عن حال السوريين على جميع المستويات، وترخي الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ازدادت سوءاً في العقد الأخير ظلالها الثقيلة على كليهما، مع استثناءات بسيطة في صفوف كل منهما، ويبرز في هذا المجال مستوى عال من التمايز الطبقي بين الشرائح الفقيرة والمعدمة، وبين الشرائح الشديدة الغنى، وإن كان ذلك أكثر وضوحاً لدى الفلسطينيين نظراً لقلة عدد الأغنياء نسبياً، حيث يمكن تعدادهم بسهولة، وهؤلاء إما من التجار أو الصناعيين الكبار، أو من المغتربين العائدين، أو من محدثي النعمة الذين اغتنوا في ظروف استثنائية بسبب الفساد السياسي في منظمة التحرير الفلسطينية.
ومعظم أبناء المخيمات من الحرفيين والمهنيين والموظفين الصغار والمعلمين، وتوجد في ظهرانيهم نسبة لا بأس بها من المتعلمين والمثقفين وحملة الشهادات العالية والاختصاصات العلمية المتطورة، ولكن هذه النسبة آخذة بالتراجع مع عودة الأمية إلى المجتمع السوري بشكل عام، والتي تنعكس بصورة فجة في المخيمات..
وهناك فئة متناقصة ماتزال (متفرغة) في كثير من المنظمات السياسية الفلسطينية، وخصوصاً تلك المتماهية مع الخط السياسي السوري..

الخيبات.. والآمال الكبيرة

ظلّ تطور الأحداث على الساحات العربية والإقليمية والدولية ينعكس على الواقع الفلسطيني في الداخل والشتات بشكل مباشر، فتارة كان يرفع الروح المعنوية ويحسن الشروط الاقتصادية – الاجتماعية للشعب الفلسطيني، وتارة أخرى كان يدفعها إلى الحضيض، ورغم أن القرارات الدولية حفظت وكفلت نظرياً الكثير من الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة (وفق القرار 194)، إلا أن الواقع المتغير كان يفرض شروطه القاسية مع كل خيبة جديدة، بدءاً من هزيمة حزيران 1967، مروراً بأحداث أيلول الدموية في الأردن عام 1970، فالحرب الأهلية في لبنان التي توّجها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وصولاً إلى غزو الكويت وحرب الخليج الثانية بين عامي 1990- 1991، وانتهاء بمفاوضات السلام التي أنتجت انشقاقاً كبيراً في الصف الفلسطيني عقب توقيع اتفاق أوسلو، كل تلك الأحداث الكبرى تسببت للاجئين الفلسطينيين في العالم، وفي سورية بطبيعة الحال، بخيبات كثيرة على جميع المستويات، وأدى في كثير من الأحيان إلى طرد قسم كبير منهم من البلدان التي يقيمون أو يعملون بها..
وبالنسبة لعدد كبير من الشبان الفلسطينيين، شكّل توقف العمل المسلح ضد العدو الصهيوني الذي ترافق مع انحطاط أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية صدمة خطيرة لهم، ودفع قسماً كبيراً منهم إلى اليأس، أو إلى الغرق في اهتمامات سطحية، أو إلى الانحراف..
وكون أوضاع اللاجئين في سورية أكثر استقراراً، ويعامَلون معاملة السوريين تماماً، ساهمت هذه الخيبات، بشكل أو بآخر في تزايد اندماج الفلسطينيين في المجتمع السوري بصورة قد لا تكون محمودة العواقب على المستوى المتوسط والبعيد، والمؤلم أنه في سؤال العديد منهم عن المستقبل، أكدوا أن ليس لديهم أية رهانات على عودتهم إلى ديارهم وأرضهم المغتصبة!!
ولكن المثقفين والسياسيين الفلسطينيين لايرون خطراً في ذلك، ويعتبرون هذا الرأي مجرد ردة فعل على تتالي النكسات..

رأي

الصحفي الفلسطيني الأستاذ قيس مصطفى قال لـ"الخيمة" في هذا السياق:
"لا أعتقد أن ثمة خطر في أن يُعامَل الفلسطينيون معاملة السوريين، فالسوريون أنفسهم لايعاملون في أغلب الأحيان على أنهم سوريون، وبالتالي فمن حق الفلسطينيين أن يعيشوا حياة بالحد الأدنى على الأقل، أسوة بأخوتهم السوريين، والقول إن الفلسطينيين يجب أن يعاملوا معاملة خاصة، يعني أن تهضم بعض حقوقهم الإنسانية البسيطة، كما يحدث لّلاجئين الفلسطينيين في دول عربية أخرى، وتلك مقولات أطلقها بعض قدماء الساسة الفلسطينيين، الذين يعيشون في الخارج بأحزاب مترهلة على كافة المستويات، والذين كانت مقولاتهم تشطح كثيراً عندما كانوا يعارضون مثلاً تعبيد الطرقات في بعض مخيمات اللاجئين التي تقع في الأرياف بحجة أن ذلك سيحول دون تحقيق حق العودة، متناسين أن الفلسطينيين بشر، وبحاجة لأن يمشوا على طرقات معبدة ومنارة. وقضايا من هذا القبيل هي ضرورات وليست ترفاً، كما أنها لن تحول دون تشبث الفلسطينيين بحق العودة، وإنما سيجعلهم جاهزين ومؤهلين ليكون هذا الحق شغلهم الشاغل، وليتفرغوا للدفاع عن هذا الحق، لكن الصحوة لهذه الناحية جاءت متأخرة، ولذلك تجد مخيمات فلسطينية في العديد من البلدان لا تستوفي شروط الخدمات والبنى التحتية".

..وليس آخراً

اليوم أكثر ما يصدمك كإنسان إلى حد البكاء، وأنت تدخل أحد المخيمات الفلسطينية في سورية، مشاهدة بعض الفدائيين السابقين، وخاصة أولئك الذين تركت العمليات الحربية على أجسادهم علامات بارزة، وقد تحولوا إلى بائعي دخان مهرب..
في مخيم اليرموك الواقع على أطراف دمشق الجنوبية، ويضم أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سورية سيشير لك أحدهم لصاحب كشك، أو لسائق تكسي، أو لعامل بناء، أو لأجير في مطعم، أو لمدمن مخدرات ويقول لك: "ذلك كان فدائياً"، وربما دليلك يكون مثله!!

عدد التعليقات: 2 تعليقات الزوار
الاستيطان
moran@hotmail.com | دولة أخرى | 2008/04/05 10:11:12 | فهد أبو الصعوط

أنا سعيد عندما أرى اليهود يبنون مستوطنات بالمليارات من الدولارات باعتقادهم أنها مستوطنات لليهود , ولم يعلموا أنها ستكون يوماً من الأيام بيوتاً للشعب الفلسطيني ,فبمشيئة الله تعالى سوف تقتحم الجيوش الإسلامية دولة اسرائيل لتحرير المسجد الأقصى والصلاة في القدس في الأمل القريب إن شاء الله تعالى.

لا مزيد
eyeslover33@yahoo.com | سوريا | 2008/07/18 18:27:05 | ابراهيم

انا فلسطيني سوري اشكر الحكومة السورية والشعب السوري على مايقدموه للشعب الفلسطيني رغم المشاكل الكثيرة وللااسف الذي يقدم عليها عدد من الشبان الفلسطينين في سوريا وعدد المدمنين والحوادث المؤسفة الخاطئة التي يقومون بها رغم ذلك فهم يتمتعون بميزايا كثيرة وبحقوق المواطنة الكاملة ونحن نشهد في سوريا تحسن واقع المخيمات فاصبح مخيم اليرموك سوق تجاريا من اكبر الا سواق التجاريةفي العاصمة وفي سوريا فلا داعي لكثرةامواضيع التي تحدت عن واقع المخيمات وخصوصا في سوريا وتبقى افضل من باقي الخيمات في اية دولة كانت ووكثير من العائلات غادرات المخيمات وتتمتع بظروف اقتصادية جيدة

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: