يوري أندرييف - موسكو: في مثل هذا اليوم (7 نوفمبر / تشرين ثاني) منذ 90 عاما استولى البلاشفة على السلطة في روسيا بعد ثورة قادتهم إلى سدة الحكم، هذه الثورة (ثورة أكتوبر الاشتراكية) التي غيرت وجه التاريخ ومصير البلاد بشكل جذري وحرّكت العالم برمته، واضعةً بداية لتجربة جديدة أثرت على مئات ملايين البشر.
هذا العيد تحاول السلطات الروسية ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي بشتى الوسائل إلغاءه من روزنامة الأعياد، وبالتالي من ذاكرة الناس، إلا انها وكما يبدو لم تنجح في عملها.
فقد خرج يوم العيد في 7 تشرين الثاني إلى الشوارع العامة والساحات الرئيسية في مختلف أنحاء روسيا الاتحادية مئات الآلاف في مسيرات حاشدة للتعبير عن استمرار العيد ومعانيه.
"الخيمة" التقت بعض من هؤلاء وسألتهم عن معاني الذكرى. المحارب القديم ايفان ايغناتيف الذي كان يسير متعبا يحث الخطى للحاق برفاقه قال "مع تذكر تلك الأيام الخوالي فان هذا اليوم كان يحفل بالاحتفالات المهيبة، إذ تلبس الشوارع بأسرها حلتها الحمراء القانية منذ الصباح الباكر ويبدأ المواطنون بالتوافد حاملين الإعلام الحمراء والرايات العمالية وصور زعماء البلاد، ولا سيما صور القادة المؤسسين".
وأضاف "في هذا اليوم بالذات يجتمع الناس للاحتفال بالعيد بعد المسيرات الطويلة الجماهيرية الصاخبة التي كانت تجتاح الشوارع والجادات الرئيسية ويلبس المحاربون القدامى ثيابهم المزينة بالأوسمة الحربية ويحملون الإزهار ليضعونها في تقليد جميل على أضرحة شهداء الثورة والحرب العالمية الثانية. وفي المساء وبعد نهار عاصف يقضيه المواطنون عند بعضهم البعض في احتفالات تتخللها مآدب كبيرة، يتجمع الناس في الساحات الرئيسية للمدن ليشاهدوا إطلاق الأسهم الاحتفالية النارية ويطلقون صيحات الترحيب والتمجيد محيين الثورة".
ويتابع ايغناتيف بحسرة "أما اليوم فكما ترى لقد انقضّوا من كل حدب وصوب على ثورتنا ومنجزاتها، على كل ما فعلنا ان ذلك لمؤسف حقاً، ولكن أقول لك اننا سنقاوم حتى الرمق الأخير".
سيدة أخرى ترفع راية حمراء سارعت ناحيتنا لتقول "هذا العيد هو العيد الحقيقي للشعب وسنظل نحتفل به لاننا نحتفل بتضحياتنا وبمُثل الثورة ومبادئها"
وتابعت "هذا الحنين لدينا يدغدغ أحلام طبقات واسعة من الشعب الروسي وبالرغم من سعي الرئيس السابق يلتسين مع بداية التسعينات من القرن الماضي إلى إلغاء هذا العيد وإحلال عيد اسماه (يوم الوفاق والمصالحة) إلا ان محاولته هذه لم تنجح إذا ان الشعب الروسي وبغالبيته العظمى لم يفهم ما يعنيه هذه التعبير الذي لا يستند إلى أي منطوق وتاريخ، ولذلك سعى الرئيس الحالي فلاديمير بوتين وبثقة اكبر إلى استبدال هذا العيد بعيد آخر فألغى (عيد الوفاق والمصالحة) وأقام محله وبعد تفكير طويل عيد (وحدة الشعب) ونسبه إلى تاريخ ماضي سحيق في القرن السابع عشر عندما انقضّت الإمبراطورية البولونية المجاورة على روسيا القيصرية فظهرت مقاومة روسية دافعت عن الوطن وانتصرت. لقد أعلن الرابع من تشرين الثاني عيداً رسمياً، والهدف الأوحد من كل ذلك كما يبدو ان ينسى الشعب عيد ثورة أكتوبر، نقول لهم اننا لن ننسى هذا العيد!" المفيد هنا لفت النظر إلى أخر الإحصاءات المتعلقة بالثورة ورأي الشعب الروسي بها، والتي أظهرت أن 40 بالمائة من مواطني روسيا يرون أنه كان لها نتائج إيجابية بالنسبة لروسيا أكثر من السلبية، مقابل 29 بالمائة يرون العكس.
كما أكدت هذه الإحصاءات ان 55 بالمائة من الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن هذه الثورة فتحت صفحة جديدة في تاريخ شعوب روسيا وأكسبت تطورها الاجتماعي والاقتصادي زخما.
وأشار 26 بالمائة فقط إلى أنها كبحت تطور هذه الشعوب وشكلت كارثة بالنسبة لهم.
كما أعرب 58 بالمائة من الذين شملهم الاستطلاع عن الثقة من أن قائد الثورة لينين لعب دوراً إيجابيا في تاريخ البلاد.

بالتوقف عند هذه الاستنتاجات من الآراء اتصلت "الخيمة" بعالمة الاجتماع سفيتلانا خروشكينا التي أعلنت ان "هذا يعني ان الحنين إلى الأفكار الاشتراكية في المجتمع الروسي ما زال قويا حتى الآن إذ ينظر 46 بالمائة من الذين تم استطلاع آراؤهم إيجابيا إلى افتراض بناء الاشتراكية في روسيا، مما يعني والعبرة واضحة هنا، ان أفكار الثورة ما زال لها صدى في الداخل".
وأردفت "يبدو اكتساب المجتمع صبغة (حمراء) جليا للعيان. لا سيما وان كل شيء يذكر بالعهود الماضية ابتداءً من ضريح لينين وانتهاء بالانجازات التي ما زالت ماثلة أمام الأعين إلى الآن، وما يزيدها تألقاً غياب انجازات حقيقية للعصر الذي أعقب سقوط الاتحاد السوفياتي".
وشددت خروشكينا على ان أعمال بناء تماثيل جديدة لقائدي الثورة لينين وستالين وفي نواحي عديدة من البلاد ما هو إلا دليل حاسم على اتجاهات قوية ما زالت قائمة في البلاد".
ورأت ان "روسيا اليوم تقف في الوسط بين ماضيها الاشتراكي وواقعها الرأسمالي. ويبقى السؤال إلى أين سيقود المستقبل روسيا بلد الثورات والمآسي؟"