يوري أندرييف - موسكو:
ربما يعتقد البعض ومع قراءة العنوان أن نابوليون حمل معه إلى "ال روس" (روسيا الكبرى قديما كانت تدعى ال روس، وهي كانت تضم أراضي روسيا الاتحادية الحالية وروسيا الصغرى أي أوكرانيا وأراضي روسيا البيضاء أي بيلاروسيا) كنزا فرنسيا نسيه هناك.
الأمر ليس على هذا النحو، على العكس تماما لقد حمل الإمبراطور الفرنسي ما تيسّر حمله من كنوز روسيا خلال حملته العسكرية التي شنها على بلاد الصقيع الشاسعة الأطراف، والتي انهزم فيها شر هزيمة، ولسخرية القدر لم يستطع حمل ما غنمه من ذهب وفضيات وتحف ومقتنيات ثمينة، فدفنه في مكان ما من روسيا وبيلاروسيا.
ففي احد أيام الشتاء القارص البارد من عام 1812 وقف نابوليون بونابرت على رابية من روابي بقاع المدينة البيلاروسية تولوتشين المكتسية بالجليد شاهرا سيفه منكسا رأسه بعد انسحابه من وسط موسكو وهو يغادر باتجاه الغرب جاراً أذيال الخيبة والخسارة وقال "من الأفضل لي أن التهم كل ما في يدي من أن اترك ورائي أي شيء للروس".
هذا ما جاء على لسان القائد الفرنسي التاريخي خلال فراره في ذلك العام السيئ عليه وقد بقي من جيشه النصف مليوني الذي أعده لاحتلال روسيا اقل بقليل من 20 ألف جندي وضابط.
وبالرغم من هزيمته لم ينس نابوليون أن يحمل معه الغنائم التي نهبها جيشه من كرملين موسكو ومن غير مكان من روسيا. وكانت كثيرة وثقيلة بحيث انها أعاقة تحرك جيشه المتقهقر المنهك فاضطر مرغما إلى التخلي عنها.
في ذلك العام حلّ الشتاء باكرا جداّ وكان شديد القساوة والبرودة وكان الجيش الفرنسي الغازي ينهار ويلقى أفراده حتفهم، أما بالمعارك أو بالجوع أو بالبرد أو بالمرض. فغرقوا في الوحول والثلوج تحت وطأة أحمالهم الثقيلة التي كانوا ينقلونها معهم إلى فرنسا في طريق العودة، وحينها اتخذ القائد الفرنسي العظيم قرارا بالتخلص من الغنائم والأحمال، ولكن ما العمل بالذهب منها؟ وبعد تفكير طويل قرر نابوليون إخفاء الذهب في مكان ما على طريق سمولينسك القديمة عند جادة باريسوفسك.

رحلة البحث عن الذهب
"الخيمة" تحرت عن اللغز الذي حيّر الناس منذ 200 عاما والذي دارت حوله الكثير من الإشاعات والأساطير، إلا انه وحسب ما تبين لنا فان اقرب السيناريوهات للتصديق وبعد مطالعتنا كثيرا لتاريخ المسألة وسؤالنا للكثيرين في تلك المنطقة وللمؤرخين، أن قصة الكنز مرتبطة ارتباطا وثيقا ببحيرة ستايتشي.
الوصول إلى البحيرة التي بحثنا عنها طويلا والتي لاقتنا بهدوء وحذر صعب ودونه عقبات كثيرة فقد تركنا السيارة في مكان بعيد عنها لعدم وجود طريق يوصل إليها، وسرنا مشياً على الأقدام لمسافة بعيدة، إلى أن دخلنا فناء احد المنازل القريبة منهكين من التعب.
وقبل سؤالنا عن كيفية الوصول إلى البحيرة، ات الرد سريعا من قبل صاحبة المنزل: "انتم بالطبع أتيتم تسألون عن الذهب أليس كذلك؟".
لم يكن من الصعب عليها التكهن بهدفنا، فمن وجوهنا عرفت المرأة التي تدعى لودميلا اننا أغراب عن المنطقة. فأجبناها: نحن لا نسأل عن الذهب من اجل الذهب بل اننا نجري تحقيقا عن الأمر فهل يمكنكم ان تفيدونا بما تعرفون.
وبدأت روايات المرأة تأخذنا بعيدا حتى أنهكتنا أكثر مما أنهكنا المسير ولم نستطع أن تتبين منها الأبيض من الأسود.
وكما علمنا بعد ذلك من بعض من رافقنا من الشبان المحليين أن الباحثين عن الذهب يأتون إلى هذه الأمكنة ويعملون على الحفر وبشكل أساسي على شاطئ البحيرة وبالأخص في الليل هربا من الشرطة التي تنقض عليهم.
وبالفعل فقد صادفنا خلال تجوالنا على سطح البحيرة المليئة بالحفر بعض من هؤلاء يعكفون على البحث عن الذهب وهم ابلغونا أن الاعتقاد لديهم هو ان الكنز مدفون في البحيرة ولا يمكن البحث هناك بحرية إلا في أيام الشتاء بعد تجمد بحيرة ستوياتشي حيث يمكن الوصول سيرا على الجليد إلى أي مكان من البحيرة ويمكن العمل بحرية والتنقيب هناك في الجليد.

احد هؤلاء المدعو سيرغي قال لنا أن "هناك أبحاثا أجريت بالقرب من هذا المكان قبل 20 عاما في الشتاء، إلا أنها لم تفض إلى شيء، واخبرنا آباءنا ان الألمان وخلال احتلالهم هذه المنطقة في الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في العام 1942 عكفوا على البحث عن الذهب في البحيرة وكانوا يحملون خرائط وأجبروا أبناء المنطقة على العمل معهم في التنقيب بحثا عن الذهب".
طريق الثروة الصعب
وعن قصة الكنز وأساطيره سمعنا الكثير فكان لا بد من اللجوء إلى عالمة التاريخ سفيتلانا بودروفا التي أخبرتنا أن "البحث عن الكنز لم يتوقف منذ قرنين وان هناك بعثة عملت منذ أكثر من 25 عاما في العام 1980 تحديدا على البحث عن الذهب وكانت تلك المحاولة الوحيدة الجدية إلا أن السلطات حينها لم تشجع عملية البحث عن الكنز ولم تموّل أعمال هذه البعثة".
وأضافت "كل العمل جرى حينها في الشتاء لسبب بسيط وهو ان الجليد يغمر البحيرة في الشتاء ولذلك لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الجليد حيث تتجمد بشكل كبير، مع العلم ان عمق البحيرة غير كبير (حوالي الـ 5 أمتار) ولكن في البحيرة قعرين بسبب هشاشة القعر الأول وقد تم اقتلاع جذور الاعشاب التي تكوّن العمق الأول وظهر عمق أخر لمترين إلا أنهم لم يعثروا في البعثة لا على الذهب ولا على الفضة".
وأردفت بودروفا "لكن جرى إرسال ما تم استخراجه من العمق إلى احد المعاهد لدراسته وأظهرت الدراسة عن وجود نسبة عالية من الذهب والفضة في المياه وليس من قبيل الصدفة أن السكان المحليين اعتقدوا أن هذه المياه صحية وقد عمل عليها رجال الأعمال في إنتاج السبيرتو والفودكا لمصانعهم".
وعن كيفية حفظ الذهب والفضة في المياه أجابت "إذا تم حفظ المياه في وعاء فضة أو إذا وضعت الفضة في المياه فان بعضا منها يتحلل وان كان هذا الأمر يستلزم وقتا طويلا والأمر نفسه بالنسبة للذهب والبلاتين إلا أنها تحتاج لفترة أطول من الفضة والى ظروف خاصة".

كنز نابوليون
وبالتطرق إلى قيمة هذا الكنز اللغز أشارت المؤرخة إلى أن "كنز نابوليون يحتوي على 180 مكيال ذهب (المكيال يعادل 16 كيلوغرام) و 325 مكيالا من الفضة ومجموعة من المجوهرات النادرة والأسلحة القديمة القيّمة والأحجار الكريمة الملونة ومحتويات كنسية وأيقونات وأوعية غالية الثمن وأكثر من 800 مكيال من المجوهرات إضافة إلى طقم من الفضة القديمة النادرة المسروقة من كاتدرائية ارخانغلسك الروسية والتي تزن 113 مكيال وجرس ايفان الرهيب الذي انتزع من احد الكنائس الأرثوذكسية في كرملين موسكو وصليب بطول يزيد عن المترين والنصف من الذهب الخالص".

سيناريوهات متعددة عن الكنز
إلى ذلك علمت "الخيمة" من بعض المراجع أن الإقطاعي كارل سفياتسكي عثر على الكنز منذ 100 عام وقد شيد في العام 1900 قصرا كبيرا فريدا من نوعه مع العلم انه كان ينتمي إلى عائلة فقيرة وبانت عليه علامات الثراء الفاضح فجأة. وهناك شبهات بأن كارل المذكور قام بالتنقيب السري عن الكنز ووجد جزءً منه في البحيرة.
ومع ذلك فان العديد من المؤرخين يشيرون إلى أن نابوليون ومع تراجعه راح يلقي بغنائمه في كل مكان ليصبح من الصعب العثور عليها وهناك مزاعم بان قسما من غنائمه ألقاها في بحيرة سيمليفسك كما أن هناك احتمالاً بوجود مخابىء خارج المياه، في الغابات القريبة كما يقال. وكان الراديو البيلاروسي قد أعلن في 4 كانون الثاني العام 1995 العثور على جزء من كنز نابوليون في قرية غورديتشينو في منطقة باروجنسك في إقليم بريست الحدودي المحاذي لبولونيا وذلك خلال التنقيب لبناء احد المجمعات في المنطقة.
الكنوز الأكثر شهرة في بيلاروسيا
ومع أهمية هذا الكنز تبقى هناك كنوز أخرى مدفونة في أراضي بيلاروسيا بالذات. فالأمير دومينيك رادجيفيلي خبأ في العام 1812 في محيط منطقة نيسفيجسك بضعة أطنان من الذهب والفضة إضافة إلى تحف رائعة من المجموعات الفنية من القرن السابع عشر و12 تمثالا لرسل السيد المسيح بقامة الإنسان مصبوبة بالذهب الصافي ومطعّمة بالأحجار الكريمة.

كما تم العثور على كنز كبير من القطع النقدية صدفة في قرية كوزيانكي بالقرب من بولتسك في العام 1973 حين لاحظ احد مدرسي مدرسة محلية أن الأطفال يلهون بقطع نقدية قديمة من الفضة وتبين أنهم عثروا عليها في حقل كولخوز القرية.
ومع تقصي الأمر اتضح أن احد العاملين على جرار زراعي وأثناء التنقيب الروتيني هناك عثر على وعاء يحتوي على هذه القطع النقدية وقد اخذ جزء منها إلى منزله، فيما حمل الأطفال والسكان المحليون ما تبقى. وتعين على رجال الشرطة العمل طويلا على جمع هذه القطع. وتم بالفعل جمع حوالي الـ 7500 قطعة فضية من الدراهم العربية القديمة من القرن السادس وحتى العاشر ليظهر بعد حين أن عصابة من السارقين دفنت هذا الكنز منذ ألف سنة في ذلك المكان.
وتم العثور أيضا في العام 1992 بالقرب من قرية ليتفا في منطقة مكالديتشينو على حزام مؤلف من 11 قطعة فضية نادرة مذهبة.
ووفق ما خرج به العلماء فان هذا الحزام وصل إلى أراضي بيلاروسيا من هدايا خان شبه جزيرة القرم الأمير حاجي غيريا العظيم. وبقي الحزام فترة طويلة في أيدي خاصة وقدر ثمنه بملايين الدولارات وهو وضع في مقتنيات الدولة منذ فترة غير بعيدة في المتحف الوطني للتاريخ.
كنز مينسك
في حزيران /يونيو العام 1988 وعند تقاطع جادتي فولودارسكس ورسبوبليكانسكي في العاصمة مينسك بالقرب من محطة التراموي "غارادسكوي فال" عثر عمال التنقيبات على شيء ارتطم بآلة الحفر، فتم استخراجه ليتبين انه جرة تحتوي على أكثر من 10 كيلوغرامات من الفضة الصافية مؤلفة من: قطع نقدية وميداليات وأوعية طعام وغيرها من القطع الفينة التاريخية القيّمة من نهاية القرن السابع عشر حتى بداية القرن 20.