الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
التراث المعماري في موسكو يواجه خطر المال

يوري أندرييف - موسكو: في موسكو الكثير الكثير من المباني والعمارات القديمة والمعالم الأثرية التي يتذكرها سكان المدينة جيداً. ففي الساحات العامة ابتداء من الساحة الحمراء الشهيرة وانتهاء بكل زاوية في موسكو هناك قصور وعزب ومباني ومعالم وأثار قيّمة للغاية تم بناؤها في عهود روسيا القيصرية وفترة الثورة وما بعدها في فترات النهوض العمراني الواسعة التي شهدها الاتحاد السوفياتي وفترة الاهتمام الكبير بالنواحي الثقافية والإنسانية.
العمارات القيصرية والسوفياتية تميزت عموماً بضخامتها وفرادتها حتى انه يحكى ان المهندس المعماري الذي بنى كنيسة الساحة الحمراء وبعد ان أنهى عمله الرائع والنادر فقأ رجال القيصر عيناه لكي لا يستطيع تكرار بناء تحفة فنية أخرى كهذه العمارة النادرة.
                     
كما تتردد قصص كثيرة عن ظروف بناء عمارات أخرى إن في موسكو أو في سانت بطرسبورغ أو في غيرهما من المناطق الروسية الشاسعة، وعن روعة العمارة والفن والعمل الحثيث والمضني الذي كان يقوم به العمال والحرفيون والفنانون والمهندسون لتخريج ابرع وأفضل القصور للعائلة القيصرية. كما كان يجري التنافس بين الأمراء أنفسهم لبناء أفضل القصور والتباهي بها ما خلق مجالاً للإبداع والرونق.
كل هذه الواحات المعمارية الخلابة انتقلت بعد الثورة الاشتراكية لتتحول إلى متاحف عامة ومباني حكومية ومعاهد تعليمية والخ. وأضاف إليها النظام السوفياتي أضعاف مضاعفة بعد نهضة عمرانية شهدتها البلاد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
لقد شكلت تلك المعالم معابر خاصة إلزامية في التاريخين الروسي والسوفياتي وهي دخلت في صميم الحياة الاجتماعية للسكان وتآلفت معهم في أعمالهم ونزهاتهم وماضيهم وحاضرهم وفي ضميرهم، وتألقت صورها في أفلامهم وثقافتهم. هذه المعالم الهامة التي لا يعرفها إلا أهلها، تشهد حاليا بداية ذوبان بطيء، إذ أزالت السلطات في بعض المناطق كل شيء من طريقها ضمن خطة توسعية اعمارية دمرت معها بعض العمارات الأثرية  القديمة العزيزة على كل موسكوبي وروسي والتي كانت جدرانها الصلبة شاهداً على كل الغزوات والثورات والأفراح والأتراح التي مرت على البلاد وحملت إرثا عمرانيا وحضاريا كبيرا.
                     
ويبدو ان الصرخات التي أطلقت والاحتجاجات التي سارت واستياء الفنانين والمثقفين الذين حذروا من تدمير التراث الروسي الذي هو جزء من تاريخ عالمنا الحضاري وارثنا الذي ينبغي المحافظة عليه، لم تلق آذانا صاغية.
التدمير للمنازل القديمة كان يجري بحجة انها متهاوية وبالفعل أزيلت شوارع بكاملها وبنيت مكانها صفوف متراصة من العمارات الجديدة المتشابهة التي تثير الملل إذا لم نقل أكثر.
وتم الاستيلاء على بعض العمارات القديمة من قبل أصحاب رؤوس الأموال بطريقة الاحتيال والسطو بعد استغفال أصحابها العجائز أو التخلص منهم، ولا سيما في شارع (أربات) القديم والشهير. والأخطر ان هؤلاء لم يكن يعنيهم أمر المحافظة على هذه العمارات بقدر ما كان يعنيهم الربح السريع وتحويلها إلى تجمعات من الاسمنت.
لقد دمرت الجرافات ليس فقط بعضاً من قلب المدينة النابض والعزيز على كل موسكوبي بروحه التي لا تتكرر ونكهته الخاصة العطرة، بل وأيضا راحت تختفي مداخل الأحياء القديمة الجميلة تحت القناطر والتي تحمل معها ذكريات عزيزة على قلب كل من عايشها أو توقف عندها أو تواعد بقربها، كما اختفت حتى تماثيل كانت شاهداً على حقبات وفصول غابرة إضافة إلى معالم تاريخية ذات قيمة فنية وحضارية وثقافية وتحمل مضامين إنسانية مختلفة، وهذه المعالم ليست قليلة في موسكو.
                     
ولأنها شكلت عائقا في حالات كثيرة لخطط البناء الجديدة سعى أساطين المال الذين يملكون أقوى التأثيرات في طول البلاد وعرضها، إلى استصدار قوانين تناسبهم مع المجالس البلدية المحلية والتفتيش عن طرق للاحتيال على هذه القوانين. وتبين لهم إمكانية إزالة مثل هذه المعالم من دون ان انتهاك القانون، في حال عدم إمكانية ترميمها، ولذلك فان أسهل الأمور كان إيصال تلك المباني الأثرية والمعالم الثقافية القديمة إلى حالة التفكك الكامل لكي يجري الاستيلاء عليها بالقانون تحت حجة هدمها قبل ان تسقط على رؤوس المارة.
وبدل ان تسارع الدولة ضمن خطة شاملة متكاملة إلى وضع هذه المعالم والمباني التراثية تحت حمايتها وتعليق لوحات خاصة عليها وإدراجها في قائمة المعالم التراثية والعمل على ترميمها خاصة وانه لا يمكن هدمها بهذه البساطة لما تمثل من قيمة فنية ومعمارية سارع بعض الموظفين إلى التنكيل بهذه المباني القيّمة التي يندر وجود مثلها حتى في أوروبا كلها. كما ساعدت الدولة الشارين الجدد الذين تكاثروا بشكل خاص في ظل ارتفاع أسعار العقارات بشكل غير مسبوق.
يبقى الأمل ان يجري بعمق استيعاب قيمة هذه العمارات التاريخية والحضارية والثقافية التي لا تقدر بثمن قبل قيمتها المادية والمحافظة عليها وترميمها وتجديدها لتتألق من جديد كما كانت منذ مئات السنين.

عدد التعليقات: 0 تعليقات الزوار
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: