الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
الكعبة المشرفة.. خازنة الأسرار

حسام  أبو جبارة – دبي: تعتبر الكعبة المشرفة بيت الله الحرام، وقبلة المسلمين.. حولها يطوفون، وإليها يأتون من كل فج عميق، وهي حرم آمن في بلد آمن. رفع قواعدها إبراهيم عليه السلام في مكانها المعروف بقلب مكة المكرمة بأمر الله واختياره، وساعده في ذلك ابنه إسماعيل. ثم أمره الحق تبارك وتعالى، أن ينادي في الناس ليحجوا هذا البيت ويزوروه. والكعبة حملت اسمها من بنائها المكعب الشكل، المبني بالحجارة الصلبة، ويبلغ ارتفاعها 15 مترا، ورغم حجمها المتواضع كحجرة مكعبة، إلا أنها تختزن في داخلها وحولها أسرارا لا يوجد مثلها في الأرض.
ما إن تبلغ الكعبة حتى يخر القلب خاشعا متضرعا، يلفه السكون، فتكاد لا تسمع خفقاته، وتتحول العين إلى نبع للدموع، حين تشعر بأنك موجود في أحب مكان إلى الله، ينزل إليه سبعون ألفا من الملائكة يطوفون حولها كل يوم وليلة.

الكعبة وملحقاتها

يطلق لفظ "البيت الحرام" على الكعبة ومحتوياتها التي هي جزء منها مثل: مقام إبراهيم عليه السلام، أو تلك التي تلاصقها مثل حجر إسماعيل، أو التي تقع قريبا منها مثل بئر زمزم. وأجزاء البيت الحرام هي:
- مقام إبراهيم: وهو الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين ارتفع البناء عن قامته. وكان المقام حجرا ملصقا بحائط الكعبة إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخره عن البيت حتى لا ينشغل المصلون به.
- الحجر الأسود، ويقع في الركن الجنوبي الشرقي للكعبة على ارتفاع 1.5 متر من أرض المطاف، وهو حجر بيضاوي الشكل، لونه أسود ضارب إلى الحمرة، وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء، قطره نحو 30 سنتمترا، يحيط به إطار من الفضة عرضه 10 سنتمترات.
- الشاذروان: وهو بناء لطيف ملصق بحائط الكعبة بأسفل جدارها مما يلي أرض المطاف من جهاتها الثلاث عدا جهة حجر إسماعيل. والشاذروان جزء من أصل جدار الكعبة وهو من القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام.
- الحطيم: هو ما بين ركن الحجر الأسود وباب الكعبة وقيل هو حجر إسماعيل. ويقال لما بين "الملتزم" وباب الكعبة الحطيم أيضا، وهو الجزء المخرج من الكعبة وسمي بذلك لأن البيت رفع وترك محطوما، وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يطرحون فيه ثيابهم التي طافوا بها.
- الباب: كان للكعبة بابان، شرقي وغربي. أما الغربي فقد فتحه عبد الله بن الزبير، وبينه وبين الركن اليماني نحو ثلاثة أذرع، وقد أغلقه الحجاج بن يوسف بأمر الخليفة عبد الملك بن مروان. أما الباب الشرقي فهو باب الكعبة الآن، ويقع بين الملتزم والحجر الأسود، ويرتفع نحو مترين عن الأرض وهو مرصع بالذهب الخالص، ويصعد إليه بدرج يشبه درج المنابر وهو من الخشب المصفح بالفضة.
- الركن اليماني: هو أشهر أركان الكعبة، أما أركانها الثلاثة الأخرى فهي ركن الحجر الأسود أو الركن الأسود، وركن الحجر وهو المتصل بحجر إسماعيل من وجه البيت، والركن الغربي (الشامي).
- الملتزم: وهو الجزء المحصور بين ركن الحجر وباب الكعبة، وسمي بذلك لأن الطائف يلتزمه في دعائه واستغاثته.
- الميزاب: هو مصب المطر، وميزاب الكعبة من الجهة الشمالية للبيت ومصبه على حجر إسماعيل. وقد كانت الكعبة بلا سقف فلما بنتها قريش جعلت لها سقفا ووضعت له ميزابا، وكذلك فعل عبد الله بن الزبير وجعل مصبه على حجر إسماعيل. وطول الميزاب أربعة أذرع وسعته ثماني أصابع وهو مغلف بصفائح من الذهب.
- باطن الكعبة: أرض الكعبة مفروشة بالرخام، وفي وسطها ثلاثة أعمدة من الخشب القوي. ويعود تاريخ هذه الأعمدة إلى زمان عبد الله بن الزبير حين جدّد بناء الكعبة. وجدرانها مؤزرة بالرخام وعليها ستائر، وتتدلى من سقفها مجموعة من القناديل.
- حجر إسماعيل: هو الحائط الواقع شمال الكعبة المشرفة، على يسار الطائف بالبيت، وهو على شكل نصف دائرة.
- بئر زمزم: ويرجع تاريخها إلى مقدم إبراهيم عليه السلام من الشام إلى مكة، حيث ترك هاجر - أم إسماعيل - عند البيت، وقد نفد ما عندها من الماء، فجعلت تسعى بين الصفا والمروة لسبع مرات، فلما انتهت إلى المروة عادت إلى طفلها فإذا بالماء ينبع حوله، فحوطته بما استطاعت وزمته، أي قالت: زم زم (أي لا تتبدّد ولا تتسع) فسمي البئر زمزم.
                     

ماذا يوجد داخل الكعبة؟

يوجد للكعبة المشرفة "سدنة"، ومفردها "سادن" وهو الأمين والخادم والحاجب، وتوكل إليهم مهمة القيام بجميع أمور الكعبة من فتحها، وإغلاقها، وتنظيفها، وغسلها، وكسوتها، واصلاح هذه الكسوة، واستقبال زوارها، وكل ما يتعلق بذلك. وكبير سدنة بيت الله الحرام حاليا هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الشيبي الذي يوجد لديه مفتاح الكعبة، وآلت إليه السدانة منذ أيام جده قصي بن كلاب، الذي أخذ السدانة من قبيلة خزاعة.
وقد انتقلت السدانة بين أبناء ابن قصي، عبد الدار، الذي كان له خمسة أولاد، وكان لا يخرج في رحلة الشتاء والصيف فعايره اخوانه بسبب ذلك، فسمعهم أبوه قصي فقال: والله لأشرفنك عليهم، فأعطاه سقاية الكعبة والسدانة والرئاسة والندوة والرفادة ولواء الحرب، وعندما جاء اخوانه، قالوا له: إنك أخذت كل الشرف، وما تركت لنا شيئا، فقال: خذوها كلها إلا السدانة والرئاسة، حيث كان هو رئيسا لقريش.
وربما يعتقد الكثيرون أن الكعبة مجرد بناء فارغ من الداخل، لا يحتوي على أي شيء، بيد أنها تزخر بالكثير من المحتويات المهمة، ففي منتصفها ترتفع ثلاثة أعمدة محاطة بأفخر أنواع الخشب المزخرف، وهي المعروفة بأعمدة الصحابي عبد الله بن الزبير حين رأى في زمن حكمه مكة أن يسند سقف الكعبة بها خشية انهياره عندما قام بترميم بناء الكعبة، ويبلغ ارتفاع هذه الأعمدة حوالي 9 أمتار.
وأرضية الكعبة مغطاة برخام من اللون الأبيض في الوسط، أما الأطراف التي يحددها شريط من الرخام الأسود فهي من رخام الروزا (الوردي) الذي يرتفع إلى جدران الكعبة مسافة 4 أمتار دون أن يلاصق جدارها الأصلي. أما المسافة المتبقية من الجدار الرخامي حتى السقف (5 أمتار) فيغطيها قماش أخضر (أو ستائر من اللون الوردي) مكتوب عليه بالفضة آيات قرآنية كريمة وتمتد حتى تغطي سقف الكعبة. كما توجد بلاطة رخامية واحدة فقط بلون غامق تحدد موضع سجود الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك عدد من القناديل المعلقة المصنوعة من النحاس والفضة والزجاج المنقوش بآيات قرآنية تعود للعهد العثماني. ويوجد داخل الكعبة عطر طيب من خليط المسك والعود والعنبر الذي يستخدم بكميات كبيرة لتنظيفها، ويستمر مفعوله طوال العام. وفيها مجموعة من بلاطات الرخام التي تم تجميعها من كل عهد من عهود من قاموا بتوسعة الحرم المكي الشريف. ويوضع من وقت لآخر جهاز رافع آلي لعمال التنظيف مع مضخة ضغط عالي تعبأ بالماء ومواد التنظيف.
 
الكسوة تاريخيا

تذهب بعض المصادر التاريخية إلى أن إسماعيل عليه السلام كان أول من كسا الكعبة، غير أن الثابت تاريخيا أن أول من كساها هو تبع أبي كرب أسعد، ملك حمير سنة 220 قبل الهجرة. وتعتبر نبيلة بنت حباب أم العباس بن عبد المطلب أول امرأة كست الكعبة في الجاهلية، وكانت قد ضلت ابنها العباس وهو صغير، فنذرت إن هي وجدته أن تكسو الكعبة بالحرير، فوجدته وأوفت بوعدها.
وفي عهد الإسلام لم يتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم كسوة الكعبة إلا بعد فتح مكة، فكساها هو وأبو بكر الصديق بالثياب اليمنية، ثم كساها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بـ"القباطي" وهي أثواب بيضاء، رقيقة، كانت تصنع في مصر.
وقد حظيت مصر بشرف صناعة كسوة الكعبة منذ أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث كتب إلى عامله في مصر لكي تحاك الكسوة بالقماش المصري المعروف باسم "القباطي"، الذي كان يصنع في مدينة الفيوم، وقد تعددت أماكن صناعة الكسوة مع انتقال العاصمة في مصر من مدينة إلى أخرى، حتى تأسست دار كسوة الكعبة بحي "الخرنفش" في القاهرة عام 1233هـ، وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة المشرفة داخلها، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962، وقد توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة عندما تولت السعودية شرف صناعتها.
وفي عام 1926 أمر الملك عبد العزيز بتشييد مصنع أم القرى الخاص بصناعة الكسوة الشريفة، وجلب له أبرع الفنيين والعمال المهرة، وبعد ذلك بنحو أربعين عاما جدّد مصنع الكسوة، وافتتح المقر الجديد له في منطقة أم الجود بمكة المكرمة، وتم تزويده بالآلات الحديثة لتحضير النسيج مع الإبقاء على أسلوب الإنتاج اليدوي العريق. ومن أهم أقسام مصنع كسوة الكعبة المشرفة: الحزام، وخياطة الثوب، والمصبغة، والطباعة، والنسيج الآلي واليدوي. ويبلغ عدد العاملين في مصنع إنتاج الكسوة حوالي 240 عاملا وفنيا وإداريا.

وصف كسوة الكعبة

تنسج الكسوة من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود، والذي تنقش عليه بطريقة "الجاكارد" عبارات: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله جل جلاله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، يا حنّان، يا منّان.
ويبلغ ارتفاع الثوب 14.5 متر، ويوجد في الثلث الأعلى منه حزام الكسوة بعرض 95 سنتمترا، كما يوجد تحت الحزام على الأركان سورة الإخلاص مكتوبة داخل دائرة محاطة بشكل مربع من الزخارف الإسلامية، وعلى الارتفاع نفسه، وتحت الحزام أيضا توجد ست آيات من القرآن الكريم كل منها مكتوبة داخل إطار منفصل، وفي الفواصل بينها يوجد شكل قنديل كتب عليه: يا حي يا قيوم، يا رحمن يا رحيم، والحمد لله رب العالمين.
وكل ما تحت الحزام مكتوب بالخط الثلث، ومطرز تطريزا بارزا، ومغطى بأسلاك الفضة المطلية بالذهب.
ويستهلك الثوب 670 كيلو غراما من الحرير الطبيعي، ويبلغ مسطحه 658 مترا مربعا، ويتكون من 47 طاقة قماش، طول الواحدة 14 مترا بعرض95 سنتمترا.
                     

مراحل صناعة الكسوة

تمر صناعة كسوة الكعبة في عدة مراحل أهمها:
- مرحلة الصباغة: حيث يستورد الحرير الخام على هيئة لفائف تصبغ باللون المطلوب، وهو الأسود بالنسبة للكسوة الخارجية للكعبة المشرفة، والأخضر لكسوتها الداخلية ولكسوة الحجرة النبوية الشريفة، والأحمر الداكن لحزام الحجرة النبوية الشريفة.
- مرحلة النسيج: الأسلوب والمادة النسيجية المستخدمة في صناعة الكسوة تنقسم إلى نوعين: الأول، هو ما يعرف بالنسيج السادة، وهو المستخدم في الحزام والستارة التي تطرز بالأسلاك وفي قماش البطانة التي توضع تحت الثوب. والثاني، هو نوع يسمى "الجاكارد" وهو الذي تكتب به الآيات والعبارات، وهو عمل فني دقيق يحتاج إلى أيد ماهرة مدربة. 
- مرحلة الطباعة: كانت التصميمات المنفذة بالتطريز تنقل إلى الأقمشة بطريقة "الترب" وهي طريقة بدائية تستهلك الكثير من الوقت والجهد، ولذلك استحدثت إدارة المصنع قسم الطباعة، ما ساعد على سرعة الإنتاج وتنوعه ودقته.
- مرحلة التطريز: وتمثل أهم ما يميز ثوب الكعبة المشرفة، وتشمل تطريز الكلمات والزخارف الإسلامية بالأسلاك الفضية والذهبية، وتتم هذه العملية الفريدة يدويا حيث يستحيل تنفيذها آليا، ليتكون في النهاية تطريز بارز مذهب يصل ارتفاعه فوق مستوى القماش إلى 2 سنتمترا أحيانا. 
- مرحلة التجميع: وهي الخطوة الأخيرة، ويتم فيها تجميع قماش "الجاكارد" ليشكل جوانب الكسوة الأربعة، ثم يثبت عليه قطع الحزام والستارة، تمهيدا لتركيبها فوق الكعبة المشرفة. 
وتبلغ التكلفة الإجمالية لثوب الكعبة حوالي سبعة عشر مليون ريال سعودي، ويشمل هذا المبلغ أجور القوى العاملة والمواد الخام. ويتم في كل عام هجري مع بداية شهر ذي الحجة تسليم سدنة الكعبة المشرفة الثوب الجديد. وفي فجر التاسع من شهر ذي الحجة ينزل الثوب القديم وتلبس الكعبة المشرفة الثوب الجديد.

عدد التعليقات: 9 تعليقات الزوار
oumnia
| اسبانيا | 2007/12/25 18:21:00 | abdelkader

atamanna mina allahi al karim ,an akouna min khouddami baiti allahi al haram, allahoumma innaka moujibou adda3awat

معلومات قيمة
| الأردن | 2007/12/26 07:04:25 | أبو علاء

شكرا على هذه المعلومات القيمة التي فوجئت بها وأدهشتني عظمة الكعبة المشرفة فرغم ذهابي للحج قبل عدة سنوات إلا أنني لام أكن أعرف كل هذه المعلومات بهذا التفصيل المشوق وأتمنى منكم نشر المزيد من هذه المواضيع المفيدة للناس والتي تقدم لهم معلومات غير مسبوقة

ایمان باالله
hjahan2020@yahoo.com | ايران | 2007/12/26 08:56:00 | fedaghi

لیس البر ان تولو وجهک قبل المشرق والمغرب ولکن البر من امن بالله والیوم الاخر

MACHAA ALLAH
| المغرب | 2007/12/26 11:38:47 | SIMO

ATTAMANNA AN TOHAFIDA MAKKA ALA TABAAIHA ALARIK .KAMA ATTAMANNA AN AZOURA HADA AL MAKAN ATTAHIR

chokr
| هولندا | 2008/02/11 17:42:36 | om yasmin

chokran 3la hadihi alma3lomat alkayima. wa jazakom allah khayran

طيور الكعبة وبرزخها وبعض اسرار البيت العتيق
hesham_taha99@yahoo.com | مصر | 2008/03/09 10:43:24 | هشام طة

بسم اللة الرحمن الرحيم....والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد وعل الة وصحبة اجمعين...........جزاكم اللة خيا على هذة المعلومات ولكن نطلب المزيد....وشكر اللة لكم

اريدمنكم خدمه
| الجزائر | 2008/03/27 11:22:28 | نبيل

سلم عليكم اريد منكم خدمه انا ابحت عن عنوان بريد انترنت لى مصنع الباس الكعبة الشريفه شكرا

ka3ba mocharafa
| المغرب | 2008/05/01 13:58:06 | mohamad

اللهم زد هذا البيت تعظيما واجلالا
mohamed_osman110@yahoo.com | مصر | 2008/06/05 19:17:33 | محمد عثمان

ويبقي الارتباط الالهي بين البيت العتيق والمسلمين وحتي العاصي الغافل اذا وقف امام البيت وجد في نفسة الشوق و الرهبة و الهيبة حقا ان لهذا البيت اسرار لا يعلمها الا الله اللهم اكتب لنا زيارة و حج بيتك الحرام اللهم اميين

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: