يوري أندرييف - موسكو: ذهل أعضاء بعثة الاستكشاف القطبية (نروجيون وأميركيون) ولم يصدقوا للوهلة الأولى ما رأته أعينهم في مكان بذلوا الغالي والنفيس للوصول إليه واعتقدوا أنهم أول من وصل إليه وأرادوا أن يسجلوا الأمر في موسوعة غينيس، إلا أن وجود تمثال زعيم البروليتاريا العالمية فلاديمير اييليتش لينين صعقهم وافسد عليهم رغبتهم.
فقد عثرت بعثة الاستكشاف عليه في مكان بعيد داخل قارة الانتاركتيا حيث كان باعتقادهم ان رجل الإنسان لم تطأه بعد.

والملفت أن المكان الذي وضع فيه تمثال لينين يُشاهد من بعد عدة كيلومترات، وكما قال احد أفراد تلك البعثة فان وجه زعيم البروليتاريا كان موجها ناحية موسكو.
السوفيات كانوا هناك منذ 50 عاماً
"الخيمة" استفسرت عن الأمر من متحف الانتاركتيا في موسكو حيث ابلغنا انه تم فعلا نصب تمثال للينين في تلك المنطقة منذ 50 عاما بعد ان نقلته البعثة السوفياتية الثالثة للقطب المتجمد الشمالي (انتراكتيا) إلى هناك، في هذا الخلاء الذي هو عبارة عن صحراء جليدية، تنخفض فيه درجات الحرارة إلى أكثر من 60 تحت الصفر، ويخيم عليه الليل ستة أشهر يصعب معه على الإنسان العيش، خاصة وان المنطقة خالية تماما من السكان إلا ما قلّ من مجموعات الاسكيمو في بعض المناطق المحددة، بيد ان البعثة السوفياتية التي وصلت إلى هناك في 13 كانون الأول ديسمبر العام 1958، تحملت كل هذا الصقيع لا بل عملت في تلك الظروف القاسية لفترة طويلة.

حينها كان السوفيات يعملون بجد على اكتشاف تلك المجاهل القاسية في استمرار لرحلات الروس إلى ذلك القطب المجهول والغني وهم كانوا أول من ارتاد تلك المجاهل منذ أواخر القرن الثامن عشر.
وأكدوا لنا في المتحف انه ومنذ 50 عاما خلت وفي هذه النقطة بالذات عند الكيلومتر 878 عن خط الجنوب وصل 17 شخصا بقيادة الرحالة يفغيني تولستيكوف ورفع أفراد البعثة علم الاتحاد السوفياتي وعملوا بجد وثبات وعزيمة على تركيز آلات لاسلكية للاتصال وآلات رصد جوي وشيدوا مدارج هبوط مؤقتة للطائرات، وبنوا منزلا صغيرا ثبتوا على سقفه تمثال لينين وبقيت صورة لتلك المنصة موجودة في المتحف إلى الآن استطعنا أن نحصل على نسخة عنها.
التمثال حافظ على ثباته
وبالعودة إلى البعثتين الأميركية والنروجية فهما التقتا عند هذه النقطة في بداية العام 2008 عند البيت السوفياتي بالتحديد، لكن أعضاء البعثتين لم يجدوا أي منزل لأنه كان غارقا بالثلوج نتيجة العواصف التي هبت على المنطقة. إلا ان تمثال لينين كان ظاهرا بشكل واضح ولم تؤثر به السنين، كل ما في الأمر أن لونه أصبح أكثر اصفراراً، وقد التقط أعضاء البعثة صورة لهم أمامه.
التنافس على غزو الانتركتيا
هذه المنطقة المتجمدة الشمالية التي تتصل بالمحيط الهادئ عبر مضيق "بهرنغ"، تعرّضت لغزو الإنسان منذ القدم، ومع توسع البعثات في منتصف القرن التاسع عشر بدأ التنافس الأميركي الروسي عليها مع العلم أن الروس كانوا أول من وصل إلى تلك الأصقاع. وازداد التنافس بين الدولتين زمن الحرب الباردة للاستفادة منها في إقامة منصات لأسلحتهم وصواريخهم العابرة للقارات. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي غرقت هذه المنطقة في النسيان لبعض الوقت، إلا ان أخبارها عادت للتصدر بعد أن أكد العديد من معاهد الدراسات وجود احتياطات هائلة من المواد الأولية الخام فيها، ولا سيما النفط والغاز. وعاودت روسيا رحلاتها الاستكشافية إليها بل وذهبت ابعد من ذلك، إذ انها عمدت إلى سبر باطنها وبعد فترة صمت طويلة سلمت روسيا إلى الأمم المتحدة في عام 2001 وثائق تدعي فيها أن (حافة لومونوسوف)، التي توجد تحت مياه المحيط الشمالي المتجمد، هي في الحقيقية جزء من الرصيف القاري لسيبيريا، لذا يتعين ضمها إلى الأراضي الروسية وأصرّ الروس على مطلبهم.

بعثة مير – 2007
وفي شهر حزيران /يونيو 2007 قام فريق علمي بقيادة احد نواب الدوما العلماء بمهمة في القطب الشمالي جندت لها روسيا إمكانات هائلة مثل آلة ضخمة لكسر الجليد تعمل بالطاقة النووية، وسفينة كبيرة للقيام بالأبحاث، فضلاً عن غواصتين من طراز (مير) استخدمتا في السابق للبحث عن حطام سفينة (تايتانيك)، وبمشاركة أكثر من 100 عالم.
وكانت المفاجأة التي أثارت حفيظة الولايات المتحدة هي قيام مستكشفين روس على متن الغواصتين الصغيرتين (مير1) و(مير2) بنصب علم بلادهم الوطني على عمق (4200) متر في قاع المحيط القطبي الشمالي، وذلك في مسعى لتدعيم حجج موسكو في ادعاء ملكيتها لمساحة شاسعة من المنطقة القطبية.
وبالطبع فإن خطوة هامة وخطيرة كهذه لن تمر بسلام وقد ظهر من ردة فعل وزارة الخارجية الأميركية حينها أن الولايات المتحدة اعتبرت نصب العلم الروسي في قاع المحيط الشمالي بمثابة إعلان الحرب على القطب الشمالي، وأنها تعتزم الرد على تحدي موسكو، فهل ستؤثر حماوة التنافس الروسي الأميركي على حرارة المحيط المتجمد الشمالي وتشهد سنين حارّة وصعبة؟