في منتصف الشهر المنصرم كانت منظمة العفو الدولية تندد بتخلي الدول الغنية عن اللاجئين العراقيين وتتهم المجتمع الدولي بعدم تقديم المساعدة الضرورية لآلاف اللاجئين الذين يعانون في الفقر واليأس ومشاكل إنسانية عديدة.
ولا يأتي حديث المنظمة الدولية من فراغ فإحصاءاتها تبين أن أعداد اللاجئين تتضاعف والتضييق يزداد، ولا أمل في حل قريب لمسلسل التشريد الذي يعيشه أبناء العراق.
وتقول منظمة العفو إنه بالرغم من أن أزمة اللاجئين والنازحين العراقيين قد اتخذت "أبعادا مأساوية" فإن حكومات العالم لم تفعل سوى القليل للمساعدة.
وذكرت المنظمة المدافعة عن حقوق الانسان أن "الحكومات لم تقم بأي مسعى أو كانت مساعيها ضئيلة جدا من أجل مساعدة اللاجئين العراقيين، متخلفة بذلك عن واجباتها الاخلاقية والسياسية والقانونية التي تحتم عليها الاضطلاع بحصتها من المسؤولية" في هذه الأزمة.
وتابع التقرير الصادر بعنوان "الكلام والواقع" إنه عوضا عن ذلك، كان التقاعس والاكتفاء بالكلام الرد المسيطر على إحدى أضخم أزمات اللاجئين في العالم.
ووصل عدد اللاجئين العراقيين الى 4.7 ملايين نسمة بحسب أرقام المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة، وهو أعلى مستوى يصل إليه منذ اجتياح العراق.
ويعد العراق اليوم واحداً من بين البلدان التي صدرت أكبر عدد من اللاجئين لأسباب عدة كان من أبرزها الحرب على العراق في العام 2003، فضلا عن السياسات التي مارسها النظام السابق والتي أفرزت رحيل وترحيل ملايين العراقيين عن بلدهم.
وبعدما استقبلت سورية والأردن القسم الأكبر من اللاجئين، يعمد هذان البلدان حاليا الى إجراءات مشددة لتغيير الوضع كفرض قيود على دخول العراقيين. ومن أسباب هذا التبدل في الموقف بحسب المنظمة عدم تلقي الحكومتين السورية والأردنية أي دعم من الأسرة الدولية.
مفوضية اللاجئين دون موارد

ومما قد يزيد الطين بلة أن المفوضية العليا للاجئين في الامم المتحدة نبهت في التاسع من ايار/مايو الماضي إلى أنها قد تضطر إلى تقليص وربما وقف تقديم مساعدتها إلى مئات الآف اللاجئين العراقيين، وذلك جراء افتقارها الى المال.
وقالت المفوضية إنها تحتاج الى 271 مليون دولار لإنجاز مهمتها في الأشهر المتبقية من عام 2008.
وقال المفوض الأعلى للاجئين انطونيو غوتيريس في جنيف "إذا لم نتلق أموالا لما تبقى من العام فلن نتمكن من مساعدة مئات آلاف الاشخاص من اللاجئين والنازحين العراقيين".
وأضاف "من دون هذا الدعم، فإن الازمة الانسانية التي واجهناها خلال العامين الأخيرين قد تتفاقم".
ووجهت المفوضية العليا في كانون الثاني/يناير نداء للحصول على 162 مليون دولار لتمويل عملياتها لمصلحة 4.7 ملايين لاجىء ونازح جراء النزاع في العراق. لكنها لم تتلق حتى اليوم سوى 134 مليون دولار.
وتتزامن أزمة التمويل هذه مع ارتفاع اسعار الوقود والمواد الغذائية وإيجارات المساكن بشكل ملحوظ، وفق المفوضية.
ويعيش العديد من اللاجئين بعدما استنفدوا مدخراتهم في فقر مدقع ويواجهون مخاطر جديدة منها إرغامهم على العودة "طوعا" الى العراق، ويضطرون في بعض الاحيان الى تشغيل اطفالهم أو الى البغاء.
لجوء الإكراه

وتؤكد التقارير التي تنشر باستمرار من قبل منظمات متعددة الاختصاصات، أن العراقيين الذين يعيشون في بلدان المهجر تحول بينهم وبين بلدهم الكثير من الأوضاع المأساوية التي كانت سببا رئيسيا في تدهور أوضاعهم على مختلف الأصعدة، إضافة لما تعانيه الأسرة العراقية من حرمان وموت بطيء، إذ تواجه العاصمة السورية دمشق أكثر الحالات الإنسانية مأساوية للاجئين في ظل الاستجابة البطيئة من قبل المجتمع الدولي إزاءهم، بحسب جريدة الاتحاد الإماراتية.
ويقول تقرير لـ"شبكة النبأ المعلوماتية"، "خلافاً لجاراتها من الدول العربية الأخرى التي تفرض إجراءات صارمة لتأشيرات الدخول، فتحت سورية حدودها لتدفق اللاجئين العراقيين الذين يقدر عددهم بنحو 1.4 مليون نسمة، أي حوالي ثلثي اللاجئين الذين هربوا من ديارهم إثر الغزو الأميركي للعراق في عام 2003."
وبسبب عدم تمتعهم بالوضع القانوني، وبالتالي حرمانهم من حق العمل في سورية، فإنهم يواجهون واقعاً قاسياً وغير مشجع على البقاء لفترة طويلة من الوقت، أما اللاجئون الأوفر حظاً مالياً ومن لهم علاقات مع أقربائهم وأصدقائهم في الخارج، فقد شقوا طريقهم إلى دول أخرى أفضل حالاً، ومما زاد من سوء أوضاع اللاجئين العراقيين في سورية، أن طبيعة علاقات هذه الأخيرة المتوترة مع الغرب، قد حجبت عنهم المساعدات التي يمكن أن تقدمها لهم الدول الغربية أو المنظمات التابعة لهم .
ضغوط سياسية تزيد صعوبات الإقامة

ويقول نفس المصدر إن الكثير من الدول المجاورة تقف موقفاً سلبياً لا مبالياً من مأساة اللاجئين، إما تخوفاً من التأثيرات الأمنية المحتملة للمشكلة، أو لاعتبارات سياسية عديدة، كمثال على ذلك الأردن الذي طالما كان مفتوحاً أمام مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين في الماضي، إلا أنه أغلق أبوابه في وجه لاجئي الحرب، ربما مخافة ألا يغادر أراضيه هؤلاء مطلقاً، مثلما فعل الفلسطينيون الذين لجأوا إلى الأردن قبل نحو 60 عاماً وهم باقون فيه إلى اليوم.
أما الولايات المتحدة الأميركية التي تعد المسؤول الأول عن هذه الأزمة الإنسانية وتفاقمها، فلم تتعهد إلا بتوفير مبلغ 208 ملايين دولار فحسب لمساعدتهم، وهو مبلغ يتسق واستمرار حرب تبلغ تكلفتها اليومية مليارات الدولارات، وكانت واشنطن قد وافقت في بداية العام الحالي على استقبال 12 ألفاً من اللاجئين العراقيين، أي ما يعادل خمساً واحداً فحسب من عدد اللاجئين الذين استقبلتهم من ''بوتان''، وبالمقارنة استقبلت السويد التي لم تكن لها أي يد في هذه الحرب، 40 ألفاً من اللاجئين منذ الغزو في عام 2003، في حين لم يزد عدد العراقيين الذين أعادت الولايات المتحدة توطينهم في أراضيها على الـ 5 آلاف لاجئ!
وليس في هذا السلوك ما يثير دهشة أحد، تقول "شبكة النبأ" إذا ما علم أن الرئيس ''بوش'' لم يتطرق مطلقاً لأزمة اللاجئين العراقيين في كل الخطابات العامة التي ألقاها عن حربه على العراق، وعلى رغم أن آخر التشريعات الأميركية الصادرة، قد وسعت فرص لجوء العراقيين المرتبطين بحربها وسمحت لهم بالتقدم بطلبات لجوئهم مباشرة عبر سفارات الولايات المتحدة المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، إلا أنه لا معنى لهذه الخطوات في دمشق التي يطالب فيها اللاجئون العراقيون بالتسجيل في مكتب المندوب السامي لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، وترفض إعطاء أولوية للعراقيين الذين قدموا مساعدة للولايات المتحدة، وبسبب هذه القيودِ، تغلق الأبواب أمام مئات الآلاف من اللاجئين، ما يضطرهم لمواجهة أحد الخيارين الصعبين: إما مواصلة الإنفاق على عائلاتهم خارج حدود بلادهم، ودون توفر فرص للعمل أو أي موارد مالية، أو الإنفاق على رحلة عودتهم مرة أخرى إلى العراق.
"محظوظون" وطئوا أرض الأحلام

وبسبب ضغوط متزايدة واتهامات للإدارة الأميركية بالتخلي عن دورها في البحث عن حلول لأزمة اللاجئين العراقيين، استقبلت الولايات المتحدة منذ الأول من تشرين الاول/اكتوبر 2007 4742 لاجئا، ما يعني أنها لم تحقق سوى 40% من هدفها المعلن كما ذكر سابقا.
وعلي واحد من هؤلاء الذين وصلوا إلى أرض الأحلام هربا من "جحيم" الوطن.
كان علي الضابط السابق في جيش صدام حسين يعرض خدماته كمترجم على الجيش الاميركي قبل خمس سنوات بعيد الاجتياح الاميركي للعراق، وهو اليوم يبحث عن عمل في واشنطن.
وعلي الذي طلب عدم كشف اسمه الحقيقي لوكالة الأنباء الفرنسية هو من بين عشرات العراقيين "المحظوظين" الذين تمكنوا من الانتقال الى الولايات المتحدة في آخر أفواج المهاجرين والذين يترددون في واشنطن على وكالة توظيف مكلفة بمساعدة العراقيين ذوي الكفاءات العالية في غالب الأحيان على إيجاد عمل في مجال اختصاصهم. غير أنهم دفعوا ثمن حظهم هذا باهظا.
عمل علي طوال أربع سنوات لحساب الجيش الأميركي في بغداد وقد منح وساما مكافأة على "عمله الممتاز" وفي ايلول/سبتمبر الماضي فر إلى سوريةبعدما وشى أحد به بتهمة التعامل مع العدو.
ووصل قبل أربعة أشهر الى الولايات المتحدة حيث حصل على وظيفة كمفتش عمل في مصنع لقاء 6.65 دولارات في الساعة ويقول "لدي خبرة اكثر من 15 عاما كضابط وفني في الجيش العراقي وأحمل شهادة ترجمة فورية. أود العمل في الطيران".
وأضاف والحنين يغمره "إنني عالق بين نارين. أود رؤية زوجتي وابنتي وابني من جديد لكن لا يمكنني الرحيل. الإرهابيون، تعلمون كيف تسير الامور (..) أحيانا أشعر انني هائم بلا هدف".
وروى لاجئ عراقي آخر عرف عن نفسه باسم مستعار هو ياسر يعقوب، أنه كان يعمل منذ 2003 لحساب الوكالة الاميركية للتنمية الدولية "يو اس ايد" في البصرة.
ويقول "انتقلت الى الولايات المتحدة بعدما تلقيت تهديدات وقتل اثنان من زملائي" موضحا أنه يعمل "ليعتاش" بائعا يتقاضى نسبة على مبيعاته في ولاية ايلينوي (شمال)، فيما يعمل لاجئون آخرون نواطير في مبان أو أمناء صناديق أو يغسلون الأطباق في المطاعم.
وتصف إيمان التميمي نفسها بأنها "لاجئة تبحث عن عمل" بعدما كانت في الماضي مستشارة سياسية لدى مكتب السفارة الأميركية في البصرة. وهي مشتاقة لابنة شقيقتها وتقول "علي أن أعمل هنا حتى أؤمن لها الفرص نفسها التي يحظى بها هؤلاء الاطفال الذين يلعبون في الخارج، إنها تستحق ذلك".
في قائمة الانتظار

والعراقيون الأربعون تقريبا الذين يبحثون عن وظائف عبر هذه الوكالة سبق أن تعاملوا مع شركات أو وكالات حكومية أميركية أو مع الجيش الأميركي، لكنهم يشكون من أن المؤسسات أو العسكريين الذين تعاملوا معهم لم يقدموا لهم أي رعاية أو مساعدة في المقابل.
وقال ياسر "إن منظمات عديدة تحصل على عقود في الشرق الاوسط وتكسب الملايين، لكن أيا منها لم تعرض علينا حتى الآن عملا في الولايات المتحدة لحمايتنا".
وفي 2007 أسس كيرك جونسون الذي سبق ان عمل لحساب وكالة "يو اس إيد" في العراق، جمعية غير ربحية اسمها "ذي ليست بروجكت" لمساعدة اللاجئين العراقيين على الاستقرار في الولايات المتحدة.
ويقول "هناك على الدوام منظمات غير حكومية وشركات متعاقدة من الباطن تعمل في العراق بموجب عقود تمولها حكومتنا" مضيفا "نظرا إلى حجم هذه العقود التي تم الحصول عليها على حساب العراقيين، يمكننا الاعتقاد بأن في وسعهم توظيف بعض هؤلاء العراقيين بعدما باتوا لاجئين".
توني ماركوارت الرقيب السابق في الحرس الوطني الاميركي هو من الأشخاص الذين ساعدوا بصفة فردية بعض العراقيين على اللجوء الى الولايات المتحدة وهو يندد بتلكؤ الشركات والوكالات الاميركية بهذا الشأن.
وكتب ماركوارت رسائل إلى علي واستقبله في المطار وساعده على تخطي المعاملات الادارية الصعبة وايجاد عمل. ويقول "كانت فترة صعبة. لم نصادف من بادر وقال لنا +سنساعدكم+"، مشيرا الى ان "هؤلاء العراقيين عرضوا حياتهم للخطر لمساعدة الأميركيين وائتلافهم".
العودة حين تصبح أصعب من اللجوء

كثيرون غير هؤلاء ممن ليس لهم أي ارتباط بالأميركيين أو الاحتلال، فضلوا العودة إلى ديارهم أملا في أن يكون وعد الهدوء والاستقرار الذي تروج له الحكومة العراقية حقيقيا.
وتشير التقارير الصحفية إلى أن تصاعد معدلات عودة اللاجئين العراقيين إلى ديارهم، له صلة مباشرة بانحسار معدلات العنف خلال الأشهر الأخيرة الماضية، إلا أن استطلاعاً للرأي في أوساط اللاجئين، رعته الأمم المتحدة مؤخراً، يبدد هذه المعطيات وينفيها من أساسها، ذلك أنه أكد أن عودة حوالي 46 في المائة من اللاجئين في سورية إلى العراق، سببها عدم استطاعتهم الاستمرار في البقاء دون عمل أو دخل خارج حدود بلادهم، في حين لم تزد نسبة الذين أكدوا ارتباط عودتهم بتحسن الأوضاع الأمنية على 15 في المائة فحسب، وهذه هي الحقيقة التي أكدها عدد كبير من اللاجئين في سورية، على رغم قول بعضهم إن قرار العودة لم يكن وارداً بالنسبة لهم لولا صعوبة الأوضاع المعيشية التي يواجهونها في الجارة المضيفة.
ويقر مسؤولون عراقيون بأن عودة اللاجئين العراقيين من الخارج ليست بالمسألة السهلة ذلك لأن النظام الجديد الذى جاء بعد نظام شرد نحو 4 ملايين عراقي فى الخارج لا يريد عودتهم الآن.
ويرى الدكتور محسن عبد الحميد الرئيس الدوري لمجلس الحكم الانتقالي، في تقرير نشرته وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" أن عودة اللاجئين تتطلب توفير فرص عمل وتوفير السكن والأمن وكل هذه الأمور بعيدة عن التحقق حاليا.
وتجرى الحكومة المؤقتة الحالية محادثات مع العديد من الدول المضيفة للاجئين بشأن التريث فى مسألة إعادتهم فى حين تريد معظم تلك الدول التخلص منهم على أساس أن أسباب اللجوء قد زالت بعد زوال نظام صدام حسين الذى كان السبب وراء هجرتهم.
ويقول رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالامم المتحدة بدوره، إنه من المطلوب تحقيق مزيد من الاستقرار في العراق قبل أن يكون في وسع المجتمع العالمي تشجيع ملايين العراقيين الذين يعيشون في المنفى هربا من العنف الطائفي على العودة الى بلدهم.
وأضاف جوتيريس في مقابلة صحافية "نريد أن ندعم الحكومة العراقية كي تتوصل الى حلول لهذه المشكلات مما يسمح بأن تكون عودتهم عندما يسمح الوضع الامني بحدوثها في أمان وبكرامة ناجحة ومتواصلة."
لكنه استطرد قائلا إن القلق المهيمن هو معالجة "القضايا الاساسية" التي ستشجع اللاجئين على العودة مثل التعويض عن الممتلكات أو الحصول على الخدمات الأساسية ومأوى عندما يعود الناس إلى مناطق أخرى في العراق.
وتفيد التقارير الرسمية أن اللاجئين العراقيين فى إيران يمثلون أكبر نسبة من مجموع العراقيين الذين لجأوا الى الدول الاخرى وبينما يقدر عدد العراقيين المهاجرين بنحو 4 ملايين، معظمهم هجر قبل وخلال الحرب العراقية الايرانية فى الفترة بين عام 1980 وعام 1988، الا أن 10 فى المائة منهم فقط هم المسجلون رسميا كلاجئين فى سجلات وكالة الاغاثة التابعة للأمم المتحدة. ومن بين هؤلاء هناك 202 ألف يعيشون فى إيران وحدها غير أن الارقام الحقيقية أكثر من ذلك بكثير.
وكان معظم هؤلاء قد هجروا قسرا من العراق فى عهد صدام بحجة أنهم من التبعية الإيرانية قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وفق سجلات الجنسية وليسوا من التبعية العثمانية، غير أن قسما منهم كان قد هرب الى إيران عام 1991 عندما شن النظام السابق حملة للقضاء على المشتركين فى التمرد ضد النظام اثر حرب الخليج الثانية التى ادت الى تحرير الكويت من القوات العراقية الغازية.
وتعود الآن مجموعات صغيرة من هؤلاء اللاجئين كل أسبوع لكنهم يواجهون الكثير من المشاكل كما يسببون للاخرين مشاكل أيضا،
عائلة أبو حسين نموذج العائد المحبط

وتظهر حالة عائلة أبوحسين كم أن الأمر صعب بالنسبة لمن تركوا بيوتهم وحاولوا العودة إليها بعد أن خفت حدة العنف والاضطهاد.
عائلة أبو حسين لم تفكر لدى مغادرتها سورية باتجاه بغداد فور سماعها أنباء عن تحسن الوضع الأمني، في غير طريق العودة للتخلص من تكاليف الإقامة في الخارج، وشبح التأشيرة التي فرضت حديثاً على اللاجئين العراقيين في سورية. لكنها في الوقت ذاته لم تكن تملك، كغيرها من العائلات العائدة، معلومات عن أوضاع مناطقها القديمة وهل بإمكانها العودة الى منزلها الذي هجرته أم لا.
ويبدي أبو حسين (شيعي 58 عاماً)، وتتكون عائلته من خمسة أشخاص، دهشته من الأوضاع التي آلت اليها منطقة "السيدية" التي غادرها قبل عامين ويقف في حيرة من أمره ولا يستطيع دخول هذه المنطقة بعدما سيطرت عليها جماعات مسلحة. ويقول إن "أشخاصاً لا أعرفهم احتلوا منزلي ولا أعرف كيف أستعيده، ويبدو أن ذلك يحتاج الى وقت طويل". وتتجه هذه العائلة الآن الى جانب الرصافة في بغداد، ذي الغالبية الشيعية، لإيجاد منزل هناك. ويعتبر هذا الجانب أكثر أمناً من الجانب الآخر (الكرخ).
ويضيف "كنا من أولى العائلات العائدة بعدما سمعنا عن تحسن الأمن في بغداد، ولكن خطر السكن في منطقة مختلفة مذهبياً ما زال قائماً، والعائدون يحتاجون الى ضمانات أمنية كثيرة للعودة الى مناطقهم الاصلية".
وتعتبر مسألة الانقسام المذهبي بين أحياء بغداد التي استشرت بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين، اكبر المشكلات وأصعبها، بالنسبة الى الراغبين في العودة، ويبدو أن العائلات العائدة أصبحت تحتاج الى الجهات الدينية (السنية أو الشيعية) التي تسيطر على أحياء بغداد، وهذا ما تنوي فعله عائلة ابو نبأ السنية من أجل العودة الى منزلها في حي الحرية الشيعي شمال بغداد.

ويقول ابو نبأ العائد من سورية انه دخل في "مفاوضات" مع عائلة شيعية وجدها تسكن منزله كانت هجرت هي الأخرى من منطقة ابو غريب، ويضيف ان "هذه العائلة تمسكت بالمنزل في بداية الأمر ولكن بعد أن قدمنا لها الوثائق التي تثبت أحقيتنا في المنزل وتدخل أطراف أخرى طلبت مهلة أربعة شهور لتجد مكاناً آخر تلجأ اليه".
وتمثل عائدية المنازل مشكلة إضافية، إذ لجأت العائلات المهجرة من كلا الطائفتين إلى المنازل الفارغة لعائلات مهجرة أيضاً وسكنت فيها.
وكان العميد قاسم عطا، من قيادة عمليات بغداد، أعلن خطة لتأمين عودة العائلات المهجرة الى مناطقها، وتطرق الى عائدية المنازل وإخراج العائلات الموجودة فيها بعد تحديد المناطق الآمنة التي تسمح بتنفيذ الخطة.
ويشار الى ان حركة الهجرة الى خارج العراق تراجعت مقارنة بزيادة عدد العائدين، بعد تحسن الوضع الأمني خلال بداية العام 2008 في بغداد.
(وكالات) و(صحف)