الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
هروب الفتيات.. ظاهرة بجذور عميقة

حسام أبو جبارة - دبي: انتشرت في الآونة الأخيرة أنباء من بعض الدول عن هروب فتيات أو اختفائهن من منازل أسرهن، وتضاربت تلك الوقائع ما بين الهروب والاختطاف، وسواء كان هذا أو ذاك فهو اختفاء لفتيات في أعمار معينة تتراوح بين الخامسة عشرة والعشرين، وبالتأكيد فإن وقع هذه الأحداث مؤلم على الأسر والمجتمعات.
حين تتحدث الأرقام والإحصائيات عن ظاهرة اختفاء الفتيات أو هروبهن في عالمنا العربي والإسلامي، نقف مذهولين أمام الأرقام الخطيرة والمرعبة في آن واحد، بل تكاد تكون كإحصائيات الأوبئة والأمراض المتفشية، التي لا تفرق بين صغيرة وكبيرة، أو مراهقة وناضجة، فمتى توحدت الأسباب كانت النتيجة واحدة.

الظاهرة في الإعلام والدراسات

تتسارع وتيرة انتشار هذه الظاهرة في أكثر المجتمعات العربية والإسلامية محافظة، كمصر والسعودية وسوريا ولبنان واليمن وتونس والمغرب، إلى دول إسلامية كتركيا وإيران، إلى مجتمعات المسلمين المقيمين في الدول الأجنبية كهولندا، وألمانيا وغيرها كثير.
ففي مصر تؤكد الإحصائيات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، أن هناك تزايدا ملحوظا في عدد البنات اللائي يتركن منازل أسرهن في سن المراهقة بغير رجعة، ففي عام 1990 سجلت الإحصائيات الاجتماعية 125 حالة، ارتفعت عام 1993 إلى 850 حالة، وتعدت الـ1000 عام 1995، ثم زادت بدرجة كبيرة في الأعوام الثلاثة الأخيرة لتصل لأكثر من 7340 حالة.
أما في اليمن فقد أظهرت إحصائيات دولية صادرة عن اليونسكو أن عام 2001 كان بداية لظهور ما عرف بظاهرة اختفاء الفتيات، حيث رصدت السجلات الأمنية ما يزيد عن 100 بلاغ رسمي لفتيات اختفين في ظروف غامضة، وهو عدد يقل بكثير عما يمكن التكهن به في حالات اختفاء مماثلة لم ترصدها السجلات الأمنية، نتيجة إحجام أولياء الأمور عن تقديم بلاغات رسمية لأسباب ترجع إلى "العيب الاجتماعي"، كما رفضت السلطات الأمنية حينها الربط بين حوادث الاختفاء المتفرقة لفتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و20 عاما وبين احتمالات وجود عصابات منظمة تقف وراء ما تم رصده من حالات اختفاء قبل أن تتحول تلك الاحتمالات إلى اعتراف بعد أن عثرت السلطات على جثة فتاة في مطلع العقد الثاني من العمر تم الإبلاغ عن اختفائها من قبل أسرتها مطمورة في حفرة عميقة بالقرب من أحد سواحل مدينة "الحديدة"، لتسفر تحريات أمنية واسعة عن إلقاء القبض على عصابة مؤلفة من أربعة أفراد تحترف اختطاف الأطفال والفتيات الشابات لتهريبهم عبر المنافذ الحدودية إلى دول مجاورة.
وتمتد حدود هذه الظاهرة لتؤرق مضاجع المسلمين المقيمين في دول أجنبية، ففي هولندا مثلا تعاني الأقلية المسلمة من ظاهرة "هروب المراهقات من منازل أسرهن"، والالتجاء إلى مؤسسات اجتماعية هولندية توفر لهن بموجب القوانين السائدة فرصا للعيش بمفردهن، من خلال تمكينهن من سكن خاص، وموارد مالية للوفاء بباقي الالتزامات الاجتماعية، ومساعدتهن لاحقا على إيجاد فرص عمل أو الالتحاق بمدارس إذا كن راغبات في مواصلة تعليمهن!.

الأسباب كثيرة

أسباب هذه الظاهرة كثيرة وإن كانت معظمها تنبع من الأسرة ونمط التربية السائد فيها، ويمكن حصر أهم أسباب هروب أو اختفاء الفتيات بالآتي:
1- التفسخ الأسري:
"فاطمة" فتاة إماراتية عمرها 17 عاماً، انفصل والدها عن أمها بالطلاق، وتزوج كل منهما بآخر، فلم تجد في بيت والدها إلا القسوة من زوجته، فانقطعت عنه، ولجأت إلى بيت والدتها، فلم تجد من زوج أمها إلا الوجه المتجهم، فابتعدت عنه، وعندما لم تعد تجد مأوى، حاولت البحث عن عمل شريف ومكان يحميها، لكنها فشلت، فهربت مع رجل ادعى أنه يحبها وعرض عليها الزواج منه عرفياً فوافقت لأنه لم يكن هناك أمامها حل سوى ذلك، وبعد عدة أشهر تخلى هو الآخر عنها وتركها تصارع من جديد. 
                 
ويقول خليفة المحرزي الموجه الأسري في دائرة محاكم دبي: إن ظاهرة هروب الفتيات من أسرهن لها أسباب متعددة ومتنوعة منها: الواقع الاجتماعي الذي غالبا ما يرسم ويحدد المستوى الاجتماعي والثقافي للأسر، ونمط ومستوى العلاقة داخلها بين الأهل والأبناء عامة، وفيما يتعلق بمكانة الفتيات في إطار تلك العلاقات خصوصا، والسبب الثاني، يتصل بواقع الأسرة التي تعيش الفتاة فيها، فتفكك تلك الأسرة نتيجة الخلافات الدائمة بين الوالدين، أو بسبب انفصال أو طلاق الوالدين، وعيش الفتاة مع زوجة الأب أو مع زوج الأم، هو ما يؤدي إلى اختلال خطير في العلاقات الأسرية، وغالبا فإن الإناث يكن أكثر تأثرا في ذلك من الذكور.
2- التمرد على الجو الأسري:
يرى د. علي فهمي الأستاذ الباحث في علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، أن تمرد الفتيات على أسرهن له بُعدان: الأول اجتماعي مرتبط بالأسرة ونمط التنشئة والقيم الاجتماعية العامة المرتبطة بالحالة الاقتصادية والاجتماعية معا، فالأسرة ذات المستوى الاقتصادي المرتفع تميل دائما لتحقيق كل رغبات أبنائها مما يخلق نوعا من التمرد وحب الذات لدى الشباب. والبعد الثاني نفسي، يتمثل في الشخصية الفردية للشباب، وهو مرتبط بالعديد من العوامل التي تتمثل في التغيرات الاقتصادية التي حدثت بسبب غلاء المعيشة وشعور بعض الشباب بالعجز المادي والنقمة على حياتهم ومحاولة الهروب منها بأية وسيلة، وعلى العكس من ذلك يظهر الشباب ذوو المستوى الاقتصادي المرتفع لا يبالي بشيء، فلديه حرية كبيرة منحها لهم الآباء فيصابون بتفكك أسري، بالإضافة إلى انضمامهم إلى أصدقاء قد يقدمون لهم نصائح ضارة، فتخلق عندهم حالة من التمرد لمجرد رفض آبائهم لشيء معين، فيتمردون ويتصرفون من تلقاء أنفسهم دون علم آبائهم.
3- الانفتاح غير المحسوب على العالم ومغرياته ومؤثراته:
يعتبر المرشد الديني لمعاهد الرعاية الاجتماعية في دمشق، أحمد الحمصي، أن ظاهرة هروب الفتيات ظاهرة غريبة في مجتمع محافظ مثل المجتمع السوري له مجموعة من العادات والتقاليد المميزة، ومنها بقاء الفتاة تحت جناح الأسرة حتى إذا تجاوزت السن القانونية. وهو يرجع أهم أسباب الانحراف إلى الجهل والفقر، ويرى أن الانحراف يبدأ بخطوة أولى، وأغلب حالات الانحراف ترتبط بالقضايا الأخلاقية.
ويرى الحمصي أن الإنحراف محصلة لكثير مما يحدث في المجتمع تحت ما يسميه البعض "التحضر والتقدم" والذي يقود إلى نتائج معكوسة، والمطلوب التأكيد على التعليم والتوجيه والتربية، وتقوية حسن المراقبة مما يُحَسِّن مستوى السلوك، ويخفف - إذا لم يلغِ - الانحراف.
4- الحالة الاقتصادية:
تشير د. عزة كريم إلى أن 75% من حالات الهروب في مصر كانت من المحافظات الريفية والقرى، في حين كانت النسبة الباقية في عدد من الأحياء الشعبية والمناطق العشوائية في القاهرة الكبرى، وكانت مدينتا القاهرة والإسكندرية هما "الوجهة المفضلة" التي قصدتها معظم الفتيات الهاربات.
ويمكن ربط تفاقم ظاهرة هروب الفتيات بالسياسات الاقتصادية للدول العربية، الأمر الذي أدى إلى ما يشبه حالة الانهيار في شرائح واسعة من الطبقات المتوسطة في مجتمعاتنا العربية، وانعكس ذلك بصورة حادة على مستوى المعيشة بكل عناصرها: الغذاء، والتعليم، والصحة. وفي تداعيات هذا الانهيار اضطرت أعداد واسعة من الفتيات للذهاب إلى سوق العمل دون وجود ضمانات صحية أو اجتماعية أو تأهيل مهني كاف وبأجور زهيدة، ناهيك عن ترافق هذه الظاهرة مع حالة التسرب من الصفوف الابتدائية والإعدادية، ونضيف لكل هذا عدم وجود حصانة ثقافية وقيمية كافية لدى هؤلاء الفتيات.
5- سوء التربية:
يؤثر أسلوب تربية الأبناء في الأسر على تصرفاتهم في المستقبل، ففي كثير من مجتمعاتنا العربية تقع الطفلة ضحية التمييز السلبي في العائلة منذ المراحل الأولى لحياتها، حيث تجري تنشئتها في مكانة أدنى، وهذا يجعلها تسلك اتجاها تنازليا على مدار العمر ينطوي على الحرمان والانعزال. وفي غياب مبدأ الشورى في معظم الأسر والذي يمكّن  المرأة اتخاذ القرار، في الشأن الاقتصادي والتربوي والاجتماعي وعلى قاعدة المشاركة مع الرجل وجميع أفراد الأسرة، تصبح الفتيات مهملات تماما وسط الأسرة كبيرة العدد، والأم دورها محصور في تقديم الخدمات لأهل البيت، وغالبا ما تعكس الأسرة صورة سلبية جدا عن العلاقة بين الرجل والمرأة.. وهكذا، حتى لو توفرت هنا فرص التعليم الممكن، والغذاء المعقول فإن التربية النفسية القائمة على السلب وتكريس العجز وعدم تنمية طاقات جميع أفراد الأسرة دون تمييز، كل ذلك يضع الفتاة أمام حقيقة مؤلمة تصبح حيالها أمام خيارين: إما التسليم بالأمر الواقع، أو التمرد الذي يؤدي إلى الانحراف بشكل أو بآخر (الهروب).

آفاق العلاج

بقدر تعقد ظاهرة هروب الفتيات ومعطياتها وما يحيط بها، يبدو علاجها معقدا، لكن ذلك لا يمنع من إشارات، تتناول الأساسيات في المعالجة، فالمشكلة كامنة في الأسلوب "القديم" للأهل وبخاصة الآباء من خلال النواهي والأوامر والنظام البيتي، والمطلوب اتباع أسلوب آخر لا يكون محرضا على الثورة، فالهروب له أسباب متعددة مثل الانزلاق والاكتئاب ورفض التجاوب مع البيئة العائلية والاجتماعية.
إن الأهل بتغيير أسلوب تعاملهم مع بناتهم سوف يحصلون على المحبة، وينقلون الخبرات التي يريدون، ويحصلون على ثقة الجيل الجديد، لأن فتيات الجيل بحاجة لمن يسمع لهن بمحبة، وبحاجة إلى حوار لطيف يتوفر فيه المنطق. ولذلك يجب الأخذ بعدة آفاق للعلاج مثل:
- عودة روح الأسرة: فتنمية اتجاهات الفتيات منذ النشأة الأولى على ضرورة المشاركة في الحياة الاجتماعية والعامة، وتوفير مجالات صحية ومعافاة للاحتكاك بمشكلات المجتمع وتعليمها كيفية التعامل معها والمساهمة في معالجتها، أمر في غاية الأهمية، ومن شأنه أن يؤسس لطريقة إيجابية في التفكير الناضج مستقبلا.
فالروابط الأسرية اختفت، ولم تعد هناك مائدة تجمع شمل الأسرة، ولم يعد هناك وقت كي ينظر كل طرف في عين الطرف الآخر كي يعرف هل هو مسرور أم مهموم.. فهذه الظاهرة نتاج لانشغال الأب والأم بجمع النقود، ونسيان رعاية الأبناء. وفي الوقت ذاته نجد الأبناء بمفردهم مع القنوات الفضائية والإنترنت، ويرون ماذا يفعل الغرب، منبهرين بهم، ولا يعرفون ما وراء ما يشاهدونه، فيصبحون أسرى لما تقدمه لهم الآلة الإعلامية الغربية دون تصحيح، ومن هنا تأتي الحاجة ملحة لعودة الآباء إلى البيت كي يخرجوا جيلا صالحا يعرف ما له وما عليه. - دراسة الظاهرة جديا: فحالات هروب الفتيات غير معروفة العدد في سوريا مثلا، ذلك أن كثيرا من الحالات لا يكشف عنها، حيث لا يتم القبض على كل الفتيات اللواتي يغادرن أسرهن، والبعض يتم القبض عليهن لأسباب أغلبها أخلاقي، يقوم القضاة بإطلاق سراحهن، والقلة من الفتيات يتم تحويلهن إلى معاهد الرعاية الاجتماعية. ويشير د. عيسى الشماس الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق إلى الإطار العام في التصدي لظاهرة الهروب بالقول: الظاهرة موجودة، لا يمكن تجاهلها مهما كانت نسبة حضورها ضئيلة، لذلك يجب دراستها بكل جدية والقيام بإجراءات وخطوات للتخفيف منها وتجاوزها، لكن ذلك لا يمنع من تحديد إطار من شأنه التصدي للظاهرة في عموميتها، ومن محتويات هذا الإطار زيادة الوعي الأسري، والتأكيد على التربية السليمة والصحيحة وفق المثل والقيم الاجتماعية، وهذه ليست مسؤوليات الأسرة وحدها، بل مسؤولية المجتمع أيضا، وكلاهما ينبغي أن يتشدد في منع عمل الأحداث مهما كانت الأسباب الداعية، إلا في أماكن خاصة بهم، وتحت الرعاية المباشرة لمتخصصين تربويين ومهنيين واجتماعيين.- معاملة الهاربات بالحكمة والموعظة الحسنة: يعود جزء كبير من هذه الظاهرة إلى الأسرة التي أصبحت عامل طرد أكثر منها عامل جذب، فلا بد أن تقوم الأسرة بدورها الصحيح، ولا بد أن يقوم الأب بدور المتابعة، والأم لا تخفي عن الأب أي مواقف أو أسرار تخص أبناءه. ومنح الحب والعدل في المعاملة للبنات يحميهن من المخاطر التي تعترض طريقهن، والقسوة لم تعد تجدي، فنحن نرى أن أغلب الحالات مريضة نفسيا وتنتقم من والدها أو والدتها في نفسها، فتفعل كل ما كانت منهية عنه. ومعاملة الهاربات بالمزيد من القسوة يعتبر تحريضا لهن على المزيد من الانغماس في الأخطاء والبعد عن جادة الطريق الحق، ويجب على الأسرة أيضا منح الفتيات العناية والرعاية كعلاج وقائي، ومنح المخطئات منهن الصفح والمساعدة اللازمة لعودتها إلى الأسرة والمجتمع من جديد.  - حلول قانونية ملزمة: هروب الفتاة وانحرافها يشكل مشكلة قانونية وقضائية في المجتمع، ويتمثل ذلك بازدياد عدد القضايا الجزائية الخاصة بالأحداث نتيجة غرقهم في ممارسة مختلف أشكال السلوك المنحرف، الأمر الذي يقتضي اتخاذ المزيد من الإجراءات الشرطية والقضائية لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة، فعلى الرغم من الطبيعة الاجتماعية لظاهرة هروب الفتاة وانحرافها، فقد أصبح لها مكانة خاصة في النظم القانونية العربية والأجنبية لمعالجتها والحد ما أمكن من انتشار الجرائم التي يرتكبها الأحداث، والسياسة الجزائية ترى أن الجريمة كظاهرة اجتماعية لا تنفصل عن بقية الظواهر، وبالتالي تسعى للقضاء عليها بمحاولة القضاء على الظروف المهيأة لها، وهروب الفتيات من ذويهن لا يخرج عن هذا الإطار.

عدد التعليقات: 1 تعليقات الزوار
هروب الفتيات
| الأردن | 2008/11/24 11:59:13 | احلام

هذا شيء طبيعي يحدث في كل البلاد العربية بسبب الضغط النفسي في داخل العائلة وخارجها

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: