يوري أندرييف - موسكو: الباليه الروسي هو علامة فارقة في الحياة الثقافية والاجتماعية الروسية، لا بل هو أكثر من ذلك بكثير، فهو علامة أخلاقية ومعنوية واقتصادية وتجارية تزين الحياة الروسية وتصبغها بصبغتها المميزة. فمن لم يسمع عن الباليه الروسي وعن إبداعات الباليه الروسي وعن مسرح البولشوي وفرقه العظيمة التي زارت كل أنحاء العالم وتركت أينما حلت مشاعر الإعجاب والعظمة.

تاريخ حافل بالأمجاد
مسرح الباليه الروسي تأسس في النصف الثاني من القرن السابع عشر وكانت العروض في بادئ الأمر تقدم في بلاط القيصر، ثم انتشرت عروض مسرح الباليه بشكل أوسع في عصر القيصر بطرس الأكبر. وفي عام 1738 افتتحت أول مدرسة باليه في مدينة بطرسبورغ.
طغت على الباليه الروسي في بدايته تقاليد الرقص الغربية والرقص الفولكلوري الروسي. وترتبط بداية الشهرة العالمية للباليه الروسي باسم شارل ديدلو(1767 - 1837) الذي كانت عروضه حسب قول الكسندر بوشكين " مترعة بحيوية الخيال والجمال الأخاذ". واكتمل تشكل فن الباليه الروسي بدايات القرن التاسع عشر وشغل مكانته المتميزة بين جميع أنواع الفنون الأخرى. أما افتتاح مسرح البولشوي العظيم في موسكو فكان في العام 1825. وذاع صيت الباليه الروسي على يد مخرجين بارزين أمثال ميخائيل فوكين وكاسيان غوليزوفسكي وفيودور لوبوخوف وغيرهم كما قدمت عروض بارزة ومهمة نذكر منها "بحيرة البجع" و "بتروشكا" "شلكونشيك" و"الجميلة النائمة" و"دون كيشوت" و "كسارة البندق" هذه العروض وغيرها ما زالت إلى الآن تقدم على مسرح البولشوي وغيره من مسارح الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنتمي جميعها إلى مدرسة واحدة هي مدرسة الباليه الروسي.

كما أن الباليه الروسي خرج بزخم إلى العالم بأسره وذلك بفضل فنانيين مميزين أمثال سيرغي دياغيليف وغوليزوفسكي فيودور لوبوخوف الذين قدموا أساليب تعبيرية جديدة في الرقص عبر استخدام التقنيات الرياضية الاكروباتية والإيماءات الإيحائية كذلك تم الانتقال إلى فن "سيمفونية الرقص" على يد لوبوخوف.
في العصر السوفياتي ظهر اهتمام كبير جدا بالباليه كأحد الرموز الأساسية للنظام، فجرى العمل على تقويته وتعزيزه وخصصت له موازنات ضخمة وتم ايلاء الفنانين اهتماما كبيرا وبالتالي جرى تطوير تقنيات جديدة في الباليه الروسي وظهرت أسماء لامعة جدا عرفها الاتحاد السوفياتي بأسره لا بل العالم كـ مايا بليستسكايا التي أطلق اسمها على مطار كوني للمراكب الفضائية وغالينا اوليانوفا ومارينا سيميونوفا واولغا ليبيشينسكايا وأسماء أخرى بارزة كثيرة من الصعب تعدادها كلها فلن تتسع لها الصفحات، كما لا ننسى يوري غريغوريفيتش الذي قاد باليه البولشوي على مدى ثلاثين عاما واوليغ فينوغرادوف الذي قاد فرقة باليه مسرح ماريينسكي لعقدين من الزمن ولا يمكن أن ننسى أبدا تحفة الباليه الروسي الذي أكمل حياته الفنية في باريس في الستينات رودولوف نورييف الراقص الذي لم تشهد مسارح الباليه العالمية ندا له حتى الآن إذ كان يشعر بنفسه ملكا متوجا كلما اعتلى خشبة المسرح.

الباليه عالم من الخيال!
فن الباليه في القرن العشرين لم يعد فناً موسمياً، بل أصبح نمطا يرمز إلى تطور حضارة الشعوب ورقيها وقد اكتسح مسارح الدول الأوروبية والأميركية إلى جانب الأوبرا، وعروض الحفلات الموسيقية، وهو يعتبر إحدى واجهات الثقافات العالمية المتقدمة.
وكان الروس دائما يحظون بقصب السبق في هذا الفن، فيكللون عروضهم المميزة وراقصيهم المبدعين بانتاجات موسيقية هي من أجمل ما ابتُدع، أضف إليها السيمفونيات الراقصة، فيبدو الراقصين يتمايلون في حلل زاهية على أنغام رائعة وكأنهم ملوك وأمراء من قصص وحكايات وأساطير غابرة.
سيمون بافلوفسكي معد رقصات باليه أعلن لـ "الخيمة" أن "أحدا لا يمكنه أن ينكر للروس جهودهم الجبارة في فن الباليه، فهم قدموا ويقدمون باستمرار روادا جدد في هذا الفن الراقي، وراقصي الباليه الروس العمالقة الذين تألقوا وبرزوا بقوة على الميادين الدولية لا عد لهم ولا حصر، والسبب ليس فقط تألق هؤلاء المبدعين الراقصين بل تصاميم الرقص الخلاقة والحبكات الموسيقية الباهرة التي تضيف عظمة وروعة ما بعدها روعة على الباليه الروسي الذي ليس له نظير في العالم".

وتابع "إذا زرت روسيا ولم تشاهد على الأقل عرض باليه واحد، فأنت بالطبع لم تر شيئا من روسيا ومن عظمتها وتاريخها، فهذه الصور الرائعة التي تخلقها الباليه الروسية والهارمونيا التي ترفعها الموسيقى إلى درجة العبقرية والسمو، هي عالم قائم بذاته".
ولفت إلى أن "إعداد عروض الباليه وتأدية الرقصات هو عمل شاق ومضني للغاية ويحتاج إلى طول أناة وصبر وكفاح مرير وجلد لا يتوفر في كل شخص. والراقصون يكرسون حياتهم للمسرح ويضحون بحياتهم الخاصة والعائلية في سبيل إخراج تلك الصور المسرحية الرائعة التي ترونها خلال ساعة أو أكثر بقليل. فنورييف على سبيل المثال كان يقيم 260 حفلة سنويا، فتصور كم من الجهد كان يصرفه على عمله، هذا أمر يفوق الوصف والخيال".
وقال أن "فن الباليه يحمل حواراً مُضْمرًا، فالفرقة يتزعّمها راقص أول أو راقصة أولى (Ballerina) ، ويعبر صامتاً عن مكنوناته من خلال لغة الجسد الراقص والإشارات وتعابير الوجه وما شابه، ومن خلال قراءة متأنية يمكن معرفة القصة عبر المشاهد والحركات الإيمائية الراقصة المبنية على أدوار لكل راقص يتقمص دوره حسب القصّة، كما أراده له المصمم ".

الروس الآن في الطليعة
لا يمكنك وأنت تشاهد الباليه الروسي إلا أن تندهش وتتأثر بكل مشهد حتى وان كنت لا تفقه شيئا في الموسيقى ولا في الباليه ولا تفهم الحركات، لكن الباليه الروسي بنمطه الدقيق والجذاب يفعل فعله دون شك في عقول المشاهدين ويجعلك مرغما تلاحق حركات الراقصين وضربات الموسيقى وتتفاعل معها بهدوء غريب حتى لتنسى انك موجود وسط ألاف المتفرجين المحيطين بك والذين لا يصدر عنهم أي نفس، فتشبع روحك بغذاء قل نظيره يبقى معك زادا تحمله في أيام صخب الحياة المدنية وثقل الهموم المعيشية، كل ذلك يمر أمامك وكأنه حلم !!!
وما ان تتناغم الراقصات والراقصين في صور تجيش العواطف وتحكي عن الحب والوفاء والإخلاص حتى لتختلط عليك المشاعر فتحس وكأنك بين الحلم والواقع في لحظة تشعر فيها بالحاجة إلى المزيد من (الأوكسجين) لتدفق الموسيقى واللوحات والرقصات عليك ما يجعلك تشعر بوهن خبيث شيق يطير بك إلى عالم مجنون تقشعر معه الأبدان، وخاصة عندما تأتي ضربات الموسيقى العالية لـ (تصحّيك) من سباتك العميق الخامل إذانا بحدوث أمر ما رهيب على خشبة المسرح.
تنتهي رقصة لتبدأ معها أخرى أجمل منها وتتوالى بعدها مجموعة من الرقصات وكأنك تسمع اللحن الأخير من موسيقى ساحر مارق يسرق الألباب ويدخلك جوه الصافي المسالم الآمن (غصبا عنك).