تعرف موسوعة "ويكيبيديا" الالكترونية كلمة Blog بنحت من كلمتين هما Web Log أي "سجل الشبكة". وشاع استخدام الترجمة العربية (مدونة) مقابل (Blog) لأسباب لا يمكن تفسيرها بدقة لكنها تبدو أنسب الأسماء والأكثر قبولا للتعبير عن المواقع الشخصية التي انتشرت على شبكة الانترنت في السنوات الأخيرة.
ويمكن وصف المدونة على أنها صفحة رقمية تسمح لصاحبها بالتعبير عن ذاته بحرية تامة من خلال سلسلة من المقالات يعمل على تدوينها ويتم ترتيب المقالات (المدخلات) ترتيبا زمنيا وبشكل تصاعدي مع وجود نظام لأرشفة هذه المدخلات، وعليه فان أي موضوع في المدونة يظهر على الصفحة الاولى لمدة من الزمن ثم تحل محله المواضيع الجديدة، ويمكن استرجاع المعلومات القديمة بالدخول على الأرشيف. وتختلف مميزات وخصائص المدونات تبعا للجهة المستضيفة لها لاعتبارات مثل حجم مساحة التدوين والقوالب الجاهزة وطريقة الأرشفة، والية التدوين والتصميم، فضلا عن اسم النطاق وغيرها من الخصائص التي سنأتي على ذكرها لاحقا.
وتصنف المدونات من حيث الجهة المسؤولة عنها بين الشخصية والمؤسسية والبعض منها يسمح بمشاركة مجموعة من المدونين الذين يجمعهم هدف واحد او تخصص موضوعي مشترك او أي علاقة اخرى في مدونة واحدة. وتختلف المدونات عن المواقع بخاصية مجانية النشر في معظم الأحيان والتحديث السريع للمعلومات، فضلا عن سهولة وبساطة الإنشاء التي لا تحتاج الى خبرة برمجية كونها في الغالب تتكون من صفحة واحدة فقط، على خلاف المواقع. كما إنها توفر فرصة سريعة للتواصل من خلال تعليقات الزوار على المقالات والموضوعات التي تحتويها.
ومع ظهور الانترنت وتنامي عدد مستخدميها، أصبح الباب مشرعا أمام الكثيرين ليدلوا بدلوهم في مجال التدوين سواء من خلال مواقعهم الشخصية أو مشاركتهم في المنتديات متجاوزين العديد من العوائق اللغوية والاعتبارات السياسية والجغرافية لينطلقوا بآرائهم وأفكارهم إلى فضاء هو الفضاء الرقمي. وفي هذا الفضاء تم تخصيص صفحات محددة أطلق عليها (مدونات) لتبدأ معها ظاهرة جديدة هي ظاهرة التدوين الرقمي.
الانطلاقة كانت مع حرب العراق

وقد كان للحرب على العراق في عام 2003 الدور الرئيسي في انتشار ظاهرة التدوين والمدونات واتساع تأثيرها، فقد برزت خلال الشهور الأولى الحرب على العراق مقالات تندد بالحرب، كما استغلها بعض السياسيين الأميركيين المعارضين للحرب للتعبير عن معارضتهم، واستطاعوا ان يؤثروا في الرأي العام، أمثال السياسي الأميركي هوارد دين المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية لعام 2004. كما استثمرها المواطنون العراقيون المقيمون في الخارج للتعبير عن مواقفهم من الحرب بين مؤيد ورافض وكل فريق حاول ان يحشد الدعم لموقفه. وبعد مرور ثلاث سنوات فقط انتشرت ظاهرة المدونات بشكل لافت للنظر.
عوامل اجتماعية

منذ بدء الخليقة سعى الإنسان إلى بناء منظومة من القيم الاجتماعية التي يحدد من خلالها علاقته بالآخر، وعلى هذا الأساس استحق الوصف بأنه كائن اجتماعي بالفطرة. فالعلاقات الاجتماعية في حقيقتها هي رغبة في تحقيق سلسلة متصلة من الأهداف التي يطغى عليها الجانب النفعي في شكليه الاقتصادي والاعتباري، وغالبا ما تحدث القطيعة الاجتماعية إذا تضرر هذا الجانب تحديدا عند أي طرف. فإذا آمنا بأن الصفة الاجتماعية عند الإنسان هي فطرة عندها يمكن القول إن إشباع الشعور بالأفضلية تعد واحدة من سماتها مع التباين النسبي لهذا المفهوم من شخص لآخر. لهذا يعد الصراع على السلطة والثروة في حقيقته هو صراع على الأفضلية. إلا أن الأفضلية المرحلية لم تشبع الغرور الإنساني لذا استخدمت أساليب التدوين المختلفة بدأ من الرسم على جدران الكهوف وانتهاء بالنشر على الانترنت كوسيلة فاعلة للتعبير عن الذات. وظاهرة المدونات الرقمية ما هي إلا امتداد طبيعي لكل انواع المدونات الشخصية الورقية منها وغير الورقية. لذا من المفيد ان نحلل ظاهرة انتشار التدوين والمدونات في العالم العربي على أسس اجتماعية اخذين بنظر الاعتبار المحتوى الموضوعي لها. لقد استطلع الباحث عدد كبير من المدونات العربية وخرج بمجموعة من المؤشرات نجملها في الأتي:
1. معظم أصحاب المدونات يتخفون بأسماء مستعارة. وهذا مؤشر يدل على الشعور بالخوف من المجتمع بقدر اكبر من الخوف من سلطة القانون. لان التخفي بالأسماء المستعارة لا يمنع السلطات من الوصول إلى صاحب المدونة وكشف أمره. وان كان مفيدا على صعيد المجتمع المحيط به. ان التعبير بصراحة عن الرأي يعد مشكلة اجتماعية يبدو أنها أصبحت متأصلة الجذور في مجتمعنا العربي.
2. معظم المدونات أصحابها من الشباب (18-38) سنة. وهذا مؤشر اجتماعي على تنامي الإحساس بالوحدة في هذه المرحلة من العمر والرغبة بالتعبير عن الذات، بصراحة أكبر من المعتاد.
3. تخفي أصحاب المدونات من الإناث خلف صور الفنانات خاصة الصور التي يطغى عليها جانب الإغراء. من الناحية الاجتماعية يكشف هذا الجانب عن مدى الرغبة في الثورة على العادات والتقاليد في المجتمعات العربية المحافظة او الرغبة في إثارة غرائز الشباب على اعتبار ان الصورة تشكل عنصر جذب لتحقيق التواصل. وهي من ناحية أخرى تعد مؤشرا على الخوف والتردد بالظهور مما يدل على أن التدوين يتم بشكل سري وغير معلن حتى للمقربين من العائلة والأصدقاء.
معظم المدونات العربية تخصص مساحة كبيرة لقضايا السياسة والدين والجنس والأدب. ونلاحظ أن القضايا الثلاث الأولى تعد من المحرمات في مجتمعاتنا العربية لذا فان التدوين فيها في الغالب يعكس إما شعورا بالحرمان أو الاضطهاد. آخذين بنظر الاعتبار طبيعة نظم الحكم في المنطقة العربية التي تتسم بمركزية السلطة.
قلة وفرادة في التأثير

ويشير موقع http://technorati.com/ المتخصص في متابعة المدونات وحركة التدوين إلى أن هناك أكثر من 91.5 مليون مدونة على الانترنت، وهناك 175000 مدونة جديدة تظهر كل يوم، ويقوم المدونون بإضافة إدراجات جديدة يبلغ عددها 1.6 مليون إدراج جديد يوميا.
ولا يكاد نصيب المدونات العربية يزيد في أفضل تقدير عن 40 ألف مدونة، أنشئ أغلبها في عام 2006 حسب "حسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، إلا أن تأثير وشهرة هذه المدونات قد فاقت التوقعات وباتت تمثل صداعا مزمنا في رأس العديد من الحكومات العربية . وتخشى الكثير من هذه الحكومات وأجهزتها الأمنية بشدة أن يتملك المواطنون وسائل تتيح لهم فضح الممارسات غير قانونية واللاديمقراطية التي تسم نهجها، لاسيما بعد النشاط البارز للمدونين المصريين، الذين كانوا كمن سلط الضوء على طريق جديد يمكن أن يسلكه المدونون العرب، حتى ولو دفع هؤلاء المدونون ثمنا لنشاطهم وكشفهم هذا ثمنا غاليا، تمثل في سجن العديد منهم لشهور عديدة، عقب اتهامات جائرة وتحقيقات غير محايدة.
وعلى الرغم من وجود اهتمامات كبيرة لدى المدونين وتنوع أشكال وأصناف المدونات ومحتوياتها إلا أن "المدونة العربية" سياسة بامتياز.
فعلى الرغم من حداثة ظهور المدونات العربية بشكل عام، إلا أنها قد أصبحت أداة فعالة أجاد المدونون العرب استخدامها، سواء في التعبير عن همومهم وهموم مجتمعاتهم بما فيها همومهم الشخصية أو العامة.
فقد برزت مجموعات عديدة استخدمت هذه الوسيلة في الكشف عن المسكوت عنه بالعالم العربي مثل تناولهم لتفاصيل غير معلنه عن طبيعة الحياة بمجتمعاتهم مثل مدونة " ابن كريشان http://benkerishan.blogspot.com / من الإمارات " أو http://bahai-egypt.blogspot.com / التي تناولت هموم البهائيين في مصر، أو الشئون الماركسية والنقابية مثل مدونة محمد الحنفي بالمغرب، أو تقديم التحليلات والأخبار السياسية مثل مدونة بهية http://baheyya.blogspot.com / أو الوعي المصري http://misrdigital.blogspirit.com / في مصر أو مدونة محمود اليوسف http://mahmood.tv / من البحرين وغيرها.
وهو الأمر الذي لم تحتمله الحكومات العربية أو حتى بعض الشركات العاملة في مجال المعلوماتيات التي انتبهت لهذه الأداة الهامة فبدأت في حجب البعض منها مثل مدونة ابن كريشان الإماراتي ومنع نشر بعض التدوينات مثل رباح القويعي الذي حذفت بعض كتاباته من مجمع مدونات شركة مكتوب الأردنية، أو هيمنة على مجمع للمدونات في السعودية مثل مدونات اوكساب http://www.ocsab.com وصولا إلى سجن بعض المدونين عقابا على كتاباتهم مثل كريم عامر من مصر وكذلك تهديد بعضهم ومنعهم من السفر مثل هالة المصري من مصر أيضا.
محطات هامة

وقد بدأت المدونات العربية في الظهور منذ نحو ثلاثة أعوام عبر بروز بعض المدونات التي تعتبر قديمة نسبيا مثل " حوليات صاحب الأشجار http://gharbeia.net /، سردال http://www.serdal.com /، طي المتصل http://zamakan.gharbeia.org، طق حنك http://digressing.blogspot.com / ، لنتعدى الطبيعي http://beyondnormal.blogspot.com / ... "
إلا أن بعض الأحداث التي دارت حول أو عبر المدونين العرب، قد ساهمت بشكل كبير في طرح الأسئلة عن هذه الأداة الجديدة في التعبير التي تسمى "المدونات"، والتي تعد محطة هامة ونقطة انطلاق جعلت نشاط المدونين وكتاباتهم تحت الضوء مما حدا بالكثير من الجمهور العربي ولاسيما الشباب منهم إلى إنشاء مدوناتهم الخاصة.
ومن أهم الأحداث أو المحطات الهامة التي ساهمت في شهرة وتوسيع رقعة المدونين - علاوة على الحاجة العربية إلى التعبير المتزايد عن النفس- نذكر: سلسلة من المقالات للصحفي المخضرم جهاد الخازن في جريدة الحياة اللندنية واسعة الانتشار عن التدوين والانترنت في العالم عموما مع التركيز على العالم العربي في بداية عام 2006.
- إشارة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل خلال لقائه بقناة الجزيرة إلى متابعته واهتمامه بمدونة "بهية" من مصر.
- القبض على المدون المصري كريم عامر واعتقاله بشكل غير قانوني لمدة 12 يوم من قبل الأمن المصري والحملة التي صاحبت القبض غير القانوني عليه في نهاية أكتوبر 2005.
- حصول مدونة علاء ومنال على جائزة أفضل مدونة من منظمة "مراسلون بلا حدود" وتقديم قناة الجزيرة لبرنامج عن المدونات ونشرها لخبر فوز علاء ومنال بالجائزة .
- مساهمة العديد من المدونين المصريين في حركة المطالبة بالإصلاح في مصر سواء عبر نشاطهم الميداني مثل اعتصامهم بميدان التحرير بالقاهرة لمناصرة القضاة المصريين ضد هيمنة الدولة أو عبر ترويجهم لفعاليات وتنظيمهم لها مثل ما سمي بمظاهرة "كنس السيدة زينب ضد وزارة الداخلية في مصر" .
- القبض على عدد من المدونين المصريين أثناء حركة التضامن مع القضاة المصريين، وتعذيب أحدهم بشكل وحشي وهو المدون محمد الشرقاوي خلال شهر مايو 2006.
وتمثل تلك الأحداث محطات هامة ساهمت في زيادة التعريف بالمدونات والمدونين المصريين خصوصا والعرب عموما، جعلت الإقبال على إنشاء المدونات ينحو منحى تصاعدي واسع، نظرا لما لمسه مستخدمو الانترنت عموما والشباب بوجه خاص في هذه الأداة التي تتيح لهم صنع الأخبار وتداولها وتجسيدا لحقهم في التعبير عن أرائهم وأفكارهم.
حرية تعبير رغم أنف القوانين

اعتادت الحكومات العربية وبعض الجماعات غير رسمية أن تعلن دائما دعمها لحرية الرأي والتعبير .. ثم تقرن هذا الدعم بجمل وأساليب اعتراضية من قبيل: "مع مراعاة التقاليد أو الآداب العامة أو أمن الدولة او القيم الدينية وغيرها من المحاذير التي تفرغ هذه القيمة الهامة من مضمونها، لتصبح كلمة "لكن" ثغرة هائلة ينفذ منها رجال الدين والسلطات بكل أنواعها لمصادرة الصحف وحجب المواقع واستعمال كافة القيود التي تجعل حرية التعبير في العالم العربي مجرد تعبير أجوف لا يغير من الأمر شيء.
لذلك كان رد فعل الكثير من المدونين تجاه هذا التضييق المتواصل هو تجاوز كلمة "لكن" ، والإمعان في ممارسة حقهم وحريتهم في التعبير عن أرائهم دون محاذير أو قيود ، لدرجة استخدام بعضهم لتعبيرات هي أقرب للسباب والتجريح ضد بعضهم البعض أو ضد بعض المسؤولين في هذه الحكومة أو تلك، إلا أن المحصلة النهائية تعني قيامهم بتجسيد حرية الرأي والتعبير بشكل يجعل كلماتهم أقرب للجمهور والأخبار والأفكار التي ينشرونها أدق وأصدق في الكثير من الأحيان من الوكالات الإخبارية والجرائد والكتب.
ولعل من أسباب اتساع رقعة المدونين العرب انتشار اللغة العامية العربية واستخدام تعبيرات غير معتادة بين الكتاب والصحفيين ولكنها منتشرة بين الشباب في حواراتهم الخاصة وفي المقاهي، مما شجع الكثير من الشباب على إنشاء مدوناتهم نتيجة لشعورهم أن المدونات ليست أكثر من تعبيرهم عن أنفسهم وأفكارهم بلغتهم الخاصة المعتادة بعيدا عن "آداب الكتابة" التي ترسخت في الواقع عرفيا، دون أن يوضح أحدهم من جعل استخدام العامية والتعبيرات الشائعة في الشارع ضد هذه " الآداب ".
وقد تكون تدوينة " سرتن سرتن في أي مكان..صحرا ان كان أو بستان" التي كتبتها منال عن تجربتها مع راكب قام بالاستمناء على نفسه في الطائرة في الكرسي المجاور لها أثناء رحلة لها إلى مدينة ميلان الايطالية، هي أصدق تعبير عن استخدام تعبيرات صريحة وحادة ليس فقط في متن التدوينة، ولكن كعنوان لها، مما أثار نقاشا بين جمهور واسع من قراء مدونة علاء ومنال حول استخدام تعبيرات كهذه ما بين معترض بسبب الخروج عن "آداب الكتابة" ومؤيد لها، باعتبار أن وصف الواقعة بمسمياتها هو الذي يعطيها درجة الصدق، وقد بلغ قراء هذه التدوينة ما يزيد عن 40 ألف قارئ، إلا أننا نرى أن الفوز كان من نصيب الاتجاه الأخير، حيث شجع الكثيرون ليس فقط على استخدام تعبيرات صريحة أو غير معتادة ضمن تدويناتهم سواء في المتن أو كعناوين لها، بل أن يطلق البعض تعبيرات كهذه كأسماء لمدوناتهم، حتى أن شبكة الإذاعة البريطانية قد اختارت اسما لقسم المدونات العربي بها يحمل اسم ملح وفلفل http://www.bbc.co.uk/blogs/arabic / الذي وإن كان أكثر تهذيبا في نظر البعض، لكنه يسير في نفس الاتجاه فعليا.
مدونات مزعجة سياسيا

حينما نتصفح المدونات العربية التي يمكن الوصول إليها، سوف نلحظ أن الكثير والكثير منها يعنى بالكتابات الأدبية أو الهموم الخاصة أو النصائح التقنية، ولكننا أيضا سوف نلحظ كما كبيرا يحمل الطابع السياسي أو يتضمن في جزء منه جانبا سياسيا، قد لا يكون هذا الجانب هو الغالب عليها، ولكننا لا نكون مجانبين الصواب لو قلنا إن أحد أسباب بروزها على السطح وأحد أسباب شهرتها هو ارتباطها بالحركات السياسية الداعمة للديمقراطية في العالم العربي، لأنه رغم ترسخ الديكتاتورية وقلة الوعي في الكثير من مناحي الحياة العربية إلا أن النشاط السياسي هو المجال الذي يتجلى فيها المنع والقمع بأوضح صوره.
وكما سبق القول فإن نشاط المدونين العرب في المجال السياسي قد نتج عنه حبس الكثيرين منهم واعتقالهم، فإننا نرى أن هذا القمع الذي مارسته السلطات الحكومية في الكثير من الدول العربية سواء عبر سجن المدونين في دول مثل مصر أو حجب المدونات في دول مثل السعودية أو الإمارات أو تونس، لم يوقف المدونين عن نضالهم في سبيل انتزاع حقهم في الديموقراطية والحرية في التعبير عن آرائهم أو فضح انتهاكات تعج بها بلدانهم.
فعلى سبيل المثال ، نجد أن أول من جرؤ على نشر صورة أحد جلادين التعذيب في مصر كان هو المدون المصري الشهير علاء عبدالفتاح، حينما قام بنشر صورة الضابط وليد الدسوقي ضمن تدوينه حملت عنوان "كبير سفاحي أمن الدولة وليد الدسوقي " ثم حملت التدوينة أخبارا عن جبروت هذا الضابط الذي وقف ضمن المتظاهرين في إحدى ضواحي القاهرة الكبرى وهو يقوم بتصوير المتظاهرين عبر هاتفه الجوال!
وعلى الرغم من أن العديد من المنظمات الحقوقية قد نشرت من قبل اسم هذا الضابط كمسؤول عن انتهاكات وخروقات حقوقية كبيرة مثل التعذيب، إلا أن نشر صورته لأول مرة كان عبر مدونة علاء ومنال وساهم في انتشارها بشكل كبير.
أيضا وضمن ثمانية عشر موقعا حجبت في مملكة البحرين، نجد أن أحدها كانت المدونة الأقدم والأشهر في البحرين وضمن الأشهر عربيا وهي مدونة "محمود اليوسف http://mahmood.tv " وهو مدون بحريني يقود حملة من أجل مواطنة لا تستند على الدين تحت عنوان "لا سني ولا شيعي ، فقط بحريني" و تتسم تدوينته بالوقار الشديد والاستخدام الجيد لحرية الرأي والتعبير، وكانت نتيجة تناوله مجريات الأحداث في البحرين بشكل صريح وصادق حجب موقعه بعد قرار من وزير الإعلام البحريني وهو القرار الذي علق عليه محمود قائلا " ولم أتعرض لأي أحد بالتجريح أو بالتشهير، وإن حدث ذلك فأنا مستعد لأي مقاضاة من أي شخص ".
كذلك كانت تدوينات الطالب المصري المفصول من جامعة الأزهر عبد الكريم نبيل سليمان السبب المباشر في اختطافه واعتقاله على يد أجهزة الأمن لمدة 12 يوم في نهاية أكتوبر 2005، ثم حبسه مرة أخرى بقرار من النيابة العامة في مصر بعد بلاغ من جامعة الأزهر واتهامه بازدراء الأديان وإهانة رئيس الجمهورية ضمن اتهامات أخرى، وتتعلق الاتهامات بشكل مباشر بكتاباته التي نشرها على مدونته.
التدوين العربي وآفاق المستقبل

تلعب طبيعة شبكة الانترنت دورا كبيرا في استمرارية شبكة المدونات العربية وتطورها وتشعبها لأن الشبكة الأم غير قابلة للتطويع والسيطرة. ورغم أن العلاقة بين المدونين العرب والحكومات العربية، هي علاقة شد وجذب، وحجب والتفاف حول الحجب رغم العمر القصير لعالم المدونات، ومع اتساع عدد المدونين والمدونات العربية، وفي ظل القمع الحكومي لحرية التعبير عموما في المنطقة العربية، فكما يرى كيرت هُبكينس مدير لجنة حماية المدونين أن "آليات القمع موجودة في بلدان الشرق الأوسط. إلا أننا سنشهد في المستقبل القريب استخداما لهذه الآليات القمعية لمعاقبة المدونين".
إلا أن الحملات التي تنشئها المنظمات دولية المعنية بحقوق الإنسان مثل "مراسلون بلا حدود" أو
"منظمة العفو الدولية"، فضلا عن التطوير التقني الذي يستفيد منه مستخدمي الانترنت عموما والمدونون بشكل خاص والذي سوف يسهل إخفاء هوية المدون، قد لا يمنع القمع، لكن من المؤكد أنه سوف يوضح بجلاء عن الصورة الحقيقة التي تسم هذه الحكومات بحيث سوف تفشل بدرجات في تقييده، وسوف ينجح الانترنت والمدونون في فضحها.