الأثنين 1 ديسمبر 2008
 
التوحد.. الإعاقة الغامضة

دبي -  حسام فتحي أبو جبارة: لعل من أسعد لحظات الزوجين، تلك التي تكتشف فيها الزوجة أنها حامل، وأنها بعد أشهر معدودة سترزق بطفل يكون قرة عين لها ولزوجها. وتسير الشهور مُحمّلة بالفرح والبهجة، تتخللها متاعب الحمل المعتادة التي تتقبلها الأم بصدر رحب على أنها ضريبة طبيعية للأمومة. تأتي ساعة الولادة، ليتسلم الوالدان بين يديهما هدية الله عز وجل.. طفلهما الجديد الذي سيصبح رفيقا لهما وضيفا جديدا على حياتهما.
وتمضي الأيام، تتبعها الشهور ويخطط الوالدان لمستقبل زاخر بالإنجازات والأحلام لولدهما الحبيب، ولكن كل ما خططا له يتوقف مرة واحدة عندما يلاحظان أن طفلهما يختلف عن نظرائه، في حركاته وتفاعله مع محيطه، وبمجرد علمهما بأن فلذة كبدهما عنده "توحّد" يصبح لحياتهما لون قاتم!
فما هو التوحد؟ ولماذا يصاب بعض الأطفال به؟ وما هي أعراضه؟ وكيف يمكن علاجه؟ وهل من وسائل لتحويل الحزن والألم بطفل التوحد إلى سعادة وفرح؟!

* التوحد.. اضطراب في النمو
تُعرّف الجمعية الأميركية للطب النفسي "التوحّد" بأنه: "أحد أشكال اضطرابات النمو العامة التي تظهر في السنوات الثلاث الأولى من العمر"، وتضم الصورة الإكلينية له: "قصور التواصل اللفظي والنشاط التخيلي، وقصورا نوعيا في التفاعلات الاجتماعية المتبادلة، وإظهار مدى محدود جدا من النشاطات والاهتمامات"، أما الجمعية الأمريكية للتوحد فتعرفه على أنه: "إعاقة في النمو تتصف بكونها شديدة ومزمنة، تظهر في السنوات الأولى من العمر، وتعتبر محصلة لاضطراب عصبي يؤثر سلبا في وظائف المخ".
وكان الطبيب النفسي الأمريكي ليو كانر أول من استعمل مصطلح "التوحد" لوصف هذه الأعراض، عام 1943م، وذلك بعد أن تابع بعض الأطفال الذين كانوا يتصفون بأعراض تختلف عن الاضطرابات النفسية الأخرى. ورغم أن التوحد نوع من الإعاقات التطويرية، فإن البحوث العلمية التي أجريت حتى الآن، لم تتوصل إلى نتيجة قطعية حول السبب المباشر له، ولذلك، فقد أرجعت معظم البحوث الأسباب إلى عوامل أهمها: عوامل جنينية وراثية، اضطرابات معدية - معوية، مكونات البيئة المحيطة وخاصة المعادن السامة مثل الزئبق والرصاص، وتضيف إليها المعلمة بمركز الشارقة للتوحد، أمية مصطفى المأمون: إصابة الأم بأمراض وفيروسات أثناء الحمل، وإصابات الدماغ، والالتهابات، والاضطرابات الأيضية، علما بأن هناك العديد من الافتراضات والنظريات الأخرى التي حاولت إزالة الغموض الذي يحيط بهذا الاضطراب.
وقد حددت الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين 18 سمة من سمات التوحد، يجب أن تنطبق 8 منها على الأقل حتى يشك بوجود إصابة توحد لدى الطفل، وهذه السمات هي:
- عدم المناغاة، فالطفل لا يصدر أصوات المناغاة مثل غيره من الأطفال.
- يتفادى التواصل البصري مع الآخرين، بحيث لا ينظر في عيني من يكلمه.
- لا يحب أن يحتضنه أو يحمله أحد.
- يحب الروتين ويصر على تكرار السلوك ويرفض التغيير في البيئة.
- لا يهتم بمن حوله، ويتجاهل كل المحيطين به.
- يُظهر حركات نمطية متكررة مثل: هز الجسم أو الرأس، ورفرفة الأصابع أو اليدين.
- يعاني من استجابات حسية غير طبيعية، فلا يشعر بالألم أو الحرارة.
- لا يحس بالخطر ولا يخاف منه.
- يتعلق بشكل غير طبيعي بالأشياء.
- يُظهر نوبات من غضب وقلق وأحيانا بكاء دون سبب منطقي.
- يضحك ويقهقه دون أي سبب.
- لا يستجيب للإيماءات اللفظية ويتصرف وكأنه لا يسمع.
- يكرر كلام الآخرين والعبارات التي يسمعها بشكل تسجيلي.
- تخلو طريقة لعبه من الخيال والإبداع، ويظل يلعب لفترة طويلة.
- يصعب عليه فهم انفعالات وعواطف الآخرين ولا يتجاوب مع ابتساماتهم.
- يصعب عليه التعبير عن احتياجاته، ويستخدم الإشارة أو الإيماءات للتعبير عن الكلمات.
- يُفضل البقاء وحيدا، ولا يحب اللعب مع الآخرين.
- يعاني من فرط حركة ونشاط زائد أو خمول بدني واضح ومبالغ فيه.
علما بأن الاضطراب في الإدراك عند طفل التوحد وما ينتج عنه من صعوبة التعامل مع المحيط الخارجي، يؤدي في النهاية إلى هروب هذا الطفل من التعامل مع الأشخاص إلى التعامل مع الأشياء والانعزال والوحدة، ومن هنا جاء اسم "التوحد".
                    

* الإصابات في ارتفاع
التوحد بلا وطن، فهو يصيب الأغنياء والفقراء، وكل الجنسيات والأعراق، وينتشر في معظم دول العالم، وتم اكتشاف حالات مصابة به في جميع الدول العربية تقريبا، وإن كانت لا توجد إحصائيات رسمية حول نسبة الإصابة به فيها.
ورغم أن نسبة الإصابة بالتوحد كانت تقدر بحالة واحدة من بين كل 2000 طفل، في السنوات التي تلت اكتشاف هذا الاضطراب، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على أن النسبة قد وصلت إلى حالة واحدة من بين كل 160 طفلا، كما لوحظ في السنوات الخيرة ارتفاع في نسبة الإصابة بالتوحد وصلت إلى 110% مقارنة بالاضطرابات الأخرى مثل، الإعاقة الذهنية التي ارتفعت بنسبة 1705%، والصرع الذي ارتفع بنسبة 12.6% وقد يعود سبب هذا الارتفاع إلى دقة عملية التشخيص وآليته المتطورة في الوقت الحاضر. لأن كثيرا من حالات التوحد في السابق كانت تشخص ضمن فئة الإعاقة الذهنية، علما بأنه نسبة الإصابة عند الذكور أعلى من الإناث وتقدر بنسبة 4 إلى 1.   

* التشخيص والعلاج

يعد التشخيص الصحيح والمبكر حجر الأساس في عملية علاج التوحد، إذ ترى رباح الصيادي، المديرة السابقة لمركز الشارقة للتوحد، أن التشخيص يوفر لطفل التوحد فرصة أكبر في التدخل المبكر للعلاج، وفي أغلب الأحيان يؤدي تجاهل التوحد في المراحل المبكرة من العمر إلى صعوبة التدخل في الأوقات اللاحقة من حياة الطفل.
وحول طرق التشخيص المتبعة تقول الصيادي: "هناك اختبارات خاصة بتشخيص التوحد مثل، اختبار كارس "Cars"، واختبار "ADOS-G"، الاستبيانات الخاصة بالأسرة مثل"R-ADI" وهي أسئلة توجه للوالدين، إضافة إلى ضرورة مراقبة الطفل من قبل الاختصاصيين والأطباء". وبعد التشخيص، يأتي التقييم الذي يركز على معرفة قدرات الطفل ونقاط القوة والضعف لديه، ومن ثم اختيار أفضل طريقة للعلاج، وغالبا ما يتطلب التقييم عددا من المتخصصين في علم النفس، والنمو، والعلاج الوظيفي، إضافة إلى أخصائي في التربية الخاصة، والنطق، والتأهيل.
أما علاج التوحد، فهو يختلف من طفل إلى آخر، لأن أعراضه تخف وتشتد من مصاب إلى آخر، وليس هناك علاج واحد أو دواء بمفرده لعلاج التوحد، ولكن هناك مجموعة من الحلول الفعالة في تقويم وتعديل السلوك، وهي ثلاثية الأبعاد: نفسية، واجتماعية، ودوائية.
بالنسبة للعلاج الدوائي، يكون على مرحلتين كما يقول الدكتور أحمد ويناخ، أخصائي علاج التوحد: الأولى، استعمال الفيتامينات، والمعادن، والمكملات الغذائية، والملاح المعدنية الضرورية للجسم، خاصة أنه لوحظ عند أغلب أطفال التوحد وجود نقص في فيتامين "ب" الذي يساهم في صناعة الأنزيمات التي يحتاجها الدماغ والتي تساعد على تحسين الانتباه والتركيز، كذلك تطبّق ضمن المرحلة الأولى من العلاج الدوائي حمية الكازيين (الحليب ومشتقاته)، وحمية الجلوتين (القمح، والشعير، والشوفان)، وأيضا اختبارات الحساسية للطعام، والغرض من هذه الحميات والاختبارات هو معرفة مدى تأثر الطفل بالحمية الغذائية، فقد يعاني من حساسية لبعض أنواع الأطعمة وخاصة الكازيين والجلوتين، وبالتالي فإن استبعادهما من النظام الغذائي يساعد في تعديل بعض السلوكيات.

عدد التعليقات: 1 تعليقات الزوار
الرياض
| السعودية | 2008/08/20 22:10:16 | عصام المكينزي

أخبركم بهذه المعلومات وذلك ابتغاء وجه الله ، وأنا لدى خبره عن التوحد خاصة بولدي وذلك لأنني تابعت معه منذ مرحلة الطفولة ، وأما إذا أتاني طفل غريب لا استطيع علاجه إلا بفترة طويلة وذلك لأنني لم أتابع معه منذ الطفولة وأن درجات التوحد مختلفة من شخص إلى أخر فإن ابني حالته من حالات التوحد المتوسط ومع المتابعة والتدريب تحسنت حالته بفضل الله . وأن التوحد بجميع أنواعه الشديد والمتوسط والخفيف جميعهم نفس الشيء ولكن طرق تدريبهم ومتابعتهم تختلف وبالنسبة إلى تناول الدواء المهدئات لأبناء التوحد لا أعرف هل هو ضرر نعم أو لا ؟؟؟ وهذا والله اعلم ………….

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم: *
البلد:
هل ترغب في اظهار بريدك؟ البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
نص التعليق: